المخرج حكيم بلعباس: السينما تهب الناس الأمل
آخر تحديث: 2018/4/15 الساعة 14:57 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/29 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/15 الساعة 14:57 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/29 هـ

المخرج حكيم بلعباس: السينما تهب الناس الأمل

المخرج المغربي حكيم بلعباس رفقة بطل فيلم "عرق الشتا" أيوب خلفاوي
المخرج المغربي حكيم بلعباس رفقة بطل فيلم "عرق الشتا" أيوب خلفاوي

حاوره: نزار الفراوي-الرباط

يعد حكيم بلعباس أحد أبرز السينمائيين المغاربة. أفلامه توّجت في محافل محلية وعربية ودولية. فاز مرتين بالجائزة الكبرى للمهرجان القومي للسينما عن "أشلاء" و"عرق الشتا". يغيب ليعود بتجارب مدهشة ومثيرة للجدل، خصوصا على المستوى النقدي، بالنظر إلى الاقتراحات الأسلوبية والجمالية التي يقدمها.

ابن مدينة صغيرة في المغرب، يدرس السينما بشيكاغو، لكنه يحتفظ في أعماله بروح مفرطة في محليتها، متجذرة في الذاكرة ومغمسة في أوجاع البسطاء والمهمشين.

عن حضور الرموز الثقافية والطقوس الاجتماعية في أعماله، وعن مزجه بين الوثائقي والمتخيل، وعن تصوره للكتابة السينمائية وإدارة الممثل، وعن تسليط الضوء على عوالم المهمش في المجتمع، وعن أحلامه وراء الكاميرا، يدور هذا الحوار.

 واجهت بعض أعمالك انتقادات تخص توظيفك للرموز الثقافية والأسطورية بشكل "فولكلوري"، كيف تفاعلت مع هذه الآراء؟ 

كنت أواجه بأسئلة حول حضور أجواء "الشعوذة والأضرحة"، أحدهم في تقديم فيلمي بمهرجان دولي تحدث عن عوالم السحر والجن، رغم أن الموضوع الرئيسي أبعد ما يكون عن ذلك. على كل حال، بالنسبة لي، الحناء ليست فولكلورا، ولا طقسا، إنها صورة بلاغية. قبة الضريح ليست مجرد رمز إلى مكان للتبرك. لم لا يقال نفس الشيء عن أفلام الغرب؟ عن "اسم الوردة" لجون جاك آنو واستخدام كوبولا لعقيقة ابنته في فيلم "العراب"؟.

استعمال الطقوس بالنسبة لي لا يتم بالموازاة مع المسار الدرامي. الطقوس والرموز أستعملها لأغراض مجازية يطلب فيها من المشاهد أن يجد الرابط بينها وبين عمق الحكاية

استعمال الطقوس بالنسبة لي لا يتم بالموازاة مع المسار الدرامي. الطقوس والرموز أستعملها لأغراض مجازية يطلب فيها من المشاهد أن يجد الرابط بينها وبين عمق الحكاية.

كي أظل في مثال الحناء.. إنها تمثل ثلاثة أشياء بالنسبة لي لها صلة بالنقط الكيلومترية الثلاث للبشر: الميلاد والزواج والموت.

 من أميركا حيث درست وتقيم منذئذ، إلى المغرب حيث الظروف الإنتاجية والتسويقية للفيلم بالغة الصعوبة، خصوصا في بداياتك، ألم تراودك فكرة إعادة البحث عن انطلاقة جديدة لمغامرة السينما بأميركا حيث مغريات الأستوديو والسوق وما جاورهما؟

لا أحب القفز من ضفة إلى أخرى، الانتقال من عالمي الخاص الذي يسكنني إلى عالم ترسمه الشركات والأستوديوهات والسوق. سيكون عليّ في الغالب أن أنجز فيلما لا أريده بمواضيع مبرمجة على المقاس. سيفرض عليّ أن أنجز فيلما نمطيا مستوحى من انتمائي كعربي مسلم مثلا.

يبدو أننا لا نملك فكرة واضحة ودقيقة عن وضع إنتاج السينما في الولايات المتحدة. السيطرة للبنوك والشركات. أصدقاء يحثونني على الانتقال إلى لوس أنجلوس، لكن طريقة اشتغالي تختلف. لا أستطيع التفكير في السوق والأستوديو والشركة. الفكرة هي المنطلق والمنتهى بالنسبة لي، وبذلك يصعب عليّ أن أشق مجراي الخاص في هذا الحقل.

 تعاملت في أعمالك مع "ممثلين" من طينة مختلفة، محترفين أحيانا، وفي أحيان كثيرة غير محترفين. ماذا تعني لك إدارة الممثل؟  

أبحث مع الممثل عن الحدود التي نستطيع ونرغب معا في الوصول إليها.. عن "قاع البئر" التي تكشف مكنون الشرط الإنساني

أبحث مع الممثل عن الحدود التي نستطيع ونرغب معا في الوصول إليها.. عن "قاع البئر" التي تكشف مكنون الشرط الإنساني. أمامنا بالطبع منهج ستانسلافسكي في إعداد الممثل، لكن أجد نفسي أقرب إلى مقاربة ساندي مايزنر، حيث التمثيل هو غيابه، وحيث التركيز على الاستعداد الوجداني بعيدا عن قدسية النص.

جوليا روبيرتس مهما فعلت، وهي ممثلة بارعة، تبقى جوليا روبرتس. أما حين نتحدث عن دانيال دي لويس أو عن ميريل ستريب وروبرت دينيرو، فنتحدث عن غياب التمثيل.. ذروة التماهي.

 تبدي نوعا من النفور من الحديث عن أجناس فيلمية. وكما قلت سابقا، فبمجرد تشغيل الكاميرا تنتفي الحدود بين المتخيل والواقع. بالنسبة لك، أما من معنى للتمييز بين وثائقي ومتخيل؟

لا أفرق بين الأجناس. وهو نهج لا علاقة له بخيارات نظرية معينة. وجدتني، ربما بحدس أو بقناعات من وحي التجارب، أميل إلى نفي أي محاولة لوضع جدران بين الإمكانيات المتاحة لحشد التعبير عن حياة مركبة وعالم فسيح. حين نكون أمام محيط ضخم لا حدود له، فكيف نتقوقع في برك محدودة الأفق.

 أنجزت أفلاما بتقشف واضح في الوسائل التقنية، قد يفسر البعض ذلك بنوع من استصغار دور التقنية في الإنجاز الفيلمي، وهو بالتالي نوع من الفصل "التعسفي" بين الشكل والمضمون. ما رأيك؟

الأمر ليس بهذا الشكل. شخصيا لا أستسيغ أن أسمع شخصا يدور في حلقة الإحباط بسبب العجز عن إيجاد مال لصنع فيلم.

بالنسبة لي، في أسوأ الحالات، يمكنك أن تصنع فيلما توثق فيه فشلك في إخراج الفيلم الذي تريد. المهم ألا تكون الوسائل المالية والظروف الإنتاجية عرقلة أمام أحلام تقاسم الحكايات التي تسكننا.

دعني أكون صادقا معك، لا أستسيغ توظيف ترسانة تقنية دون حاجة تعبيرية وجمالية قائمة. لا أحب استعمال الرافعات، والصور المعدلة، أو حتى الزووم. لا أفهم استخدام "الترافلينغ" بهذا الشكل، مجانا، أو استخدام التصوير الفضائي عبر "الدرون" فقط للإبهار البصري بتقديم مشاهد علوية للفضاء.

في المقابل، أستشعر في فيلمي القادم حاجة إلى صور من "الدرون" في التعبير عن "نظرة إلهية" لطائر محلق يرى كل شيء، بارتباط مع الراوي العارف بكل شيء. هنا السبب قائم لتوظيف التقنية، وبالتالي لن أتردد في ذلك. 

لا أستسيغ توظيف ترسانة تقنية دون حاجة تعبيرية وجمالية قائمة. لا أحب استعمال الرافعات، والصور المعدلة، أو حتى الزووم. لا أفهم استخدام "الترافلينغ" بهذا الشكل، مجانا، أو استخدام التصوير الفضائي عبر "الدرون" فقط للإبهار البصري بتقديم مشاهد علوية للفضاء

 الملاحظة تطرح أيضا بخصوص دور السيناريو. في بعض أعمالك على الأقل، تتسع مساحة الانزياح عن النص، ويصبح السيناريو مجرد خطاطة سردية أولية..

يحدث أن أبدأ الاشتغال بسيناريو من ثلاث صفحات. في "علاش آ البحر"، كنت أتعامل مع شخصيات لا تحسن القراءة أصلا. وضعت السيناريو جانبا وفتحت لهم باب التعبير بألسنتهم، بلغتهم، ذلك أن الحوار المكتوب كان بعيدا عن حساسية وعمق حواراتهم التلقائية. اللغة المكتوبة مجرد قنطرة للوصول إلى اللغة الوجدانية التي تمنحك صورة أو صوتا من جنس اللامرئي، وهو الأهم في نظري.

 ماذا عن انجذابك الملفت إلى تتبع فعل الزمن في الوجوه، خصوصا من خلال اللقطات المكبرة الكاشفة لتفاصيل المعاناة والفرح معا؟

الانجذاب إلى الوجوه شيء لا أفكر فيه بشكل مسبق. اللقطة المكبرة ليست خيارا مطلقا. لكن بالنسبة لي الوجه هو الزمن نفسه. ليس وجه الإنسان فقط، بل الحيوان، والسماء والطبيعة.

 يطيب لبعض النقاد أن يصنفوا أعمالك ضمن سينما الهامش، في إشارة إلى انشغالك بأوضاع شخصيات منسية أو مهمشة أو لا صوت لها. هل توافق على ذلك؟

لماذا نتحدث هنا باجترار عن قضية الهامش. كأننا لم نتخلص بعد من المنظار الضيق للأيديولوجيا. إنها الصراعات نفسها في كل مكان. ليست المسألة ثنائية مركز وهامش. حتى في قلب الحي التجاري للدار البيضاء حيث السيارات الفارهة والمباني الشاهقة، يمكن أن نرسم حكاياتنا الكونية، فيكون الهامش بهذا المعنى هو روح الإنسان التي قد يدوسها منطق المادة والفردانية. ليس الهامش بالضرورة معاناة نمطية مكررة ودراما مفتوحة، علما أن الحياة في مجملها هي معاناة بشكل من الأشكال.

 تعود باستمرار في أفلامك إلى مسقط رأسك مدينة "أبي الجعد" الصغيرة. لماذا تحضر بهذه القوة كمكان مفضل للتصوير؟

لأن "أبي الجعد" هي أولا مكان يفتح لي ذاكرته. فجل ما أكتبه يطفو من حكايات الطفولة. لكن دعني أؤكد أني لا أصور الحكايات عينها، كما هي أو كما كانت. أصور أبي الجعد كما أراها. لقد صور فيليني في Amarcord قريته كما تخيلها، لا كما هي فعلا. كسينمائي، لدي فرصة لا لأجمّل أبي الجعد، ولكن لأضعها في خانة ما هو شاعري. يبدو لي في البلدة منظر أب تقوّس ظهره يقوده ابنه، رائحة الكرم، ظل الشجر، ندى الصباح، مدخل الحمام الشعبي، غابة الولي الصالح سيدي الغزواني، اللقالق، أذان الفجر.. أصوّر ما أعرف، نعم، لكن على الأصح، أصور الفضاء كما أتخيله، وكما أريد أن أراه.

 ما الذي يجعلك تواصل إنجاز الأفلام؟ 

بهذا النوع من التعبير الفني، نصنع بصيص أمل في عالم ليس على ما يرام. ثمة لحظات للاستمتاع. تلك الشاشة التي تجمع بضع مئات من الناس في قاعة مظلمة تنير قلوبنا. تذكرنا بحقيقة وجودنا.

 هل من أفكار أو أحلام سينمائية تراودك؟ 

سيرة الكاتب محمد شكري "الخبز الحافي" ترن في رأسي منذ زمن بعيد.

المصدر : الجزيرة