اللغة وعاء الفكر.. هكذا تتكون المفاهيم ويتم الإدراك

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

عـاجـل: مندوب الكويت: نتطلع إلى التزام الأطراف اليمنية باتفاقات السويد لمنع تردي الوضع الإنساني

اللغة وعاء الفكر.. هكذا تتكون المفاهيم ويتم الإدراك

عمران عبد الله-أنقرة

تخيل أن كائناً فضائياً جاء من الفضاء الخارجي، وأراد تعلم لغتك ليتواصل معك بها، وحاولت أن تساعده في ذلك، ستجد أنك قادر على تعليمه أسماء الأشياء المحددة والمواد الملموسة بسهولة. فمثلا يمكنك الإشارة إلى تفاحة ولفظ الكلمة عدة مرات ليفهم الفضائي أن هذه الثمرة تعني "تفاحة" بلغتك ويحفظها بالتكرار، لكن ماذا لو حاولت أن تشرح له معنى كلمة "الحياة" أو "الحرية" أو "الحب"، سيكون الأمر صعباً.

بحثت دراسات علمية كثيرة الفرق بين المفاهيم المجردة والملموسة، وخلصت نتائجها إلى أن المفاهيم الملموسة يسهل تعلمها وتذكرها مقارنةً مع المفاهيم المجردة.

وتكشف الدراسات السريرية التي أجريت على المرضى الذين يعانون من أضرار في مناطق معينة من الدماغ، أن بعض المرضى يفقدون القدرة على فهم واستدعاء المفاهيم المجردة، ولكنهم يتذكرون الكلمات التي تعبر عن أشياء ملموسة بطريقة أسهل. ويرجع ذلك إلى كون المفاهيم المجردة والملموسة -رغم تداخلهما- تعالَجان في مناطق مختلفة من الدماغ حسب دراسة تجريبية نشرها موقع "أن.سي.بي.آي" (Ncbi) العلمي.

وتعد تأثيرات الكلمات على الأعصاب موضوعاً مهماً في علم الأعصاب الإدراكي، فباستخدام الرنين المغناطيسي وجد الباحثون أن الكلمات التي لها دلالات ملموسة ومجردة تنشط المناطق في الفص الصدغي والجانبي الأيسر، لكن الكلمات الملموسة تنشط أيضاً قشرة الفص الجبهي الظهرية والتلفيف الزاوي أكثر، بينما نشطت المفاهيم المجردة المناطق أسفل يسار الجبهة المرتبطة سابقاً بعمليات الذاكرة الصوتية واللفظية أكثر. كما أن معالجة هذه المفاهيم ترتبط بشكل شبه حصري بنصف الدماغ الأيسر.

إدراك المفاهيم المجردة
تعمل الكلمات مثل غراء، مما يسمح لنا بتجميع التجارب المختلفة تحت تسمية واحدة. وهذا ينطبق بشكل خاص على المفاهيم التي لا يمكننا رؤيتها أو لمسها. ولكننا ما زلنا لا نفهم حقيقة كيفية عمل اللغة في تشكيل معنى هذه المفاهيم الأكثر تجريدًا، أو كيف نسمي الأشياء، ونجمّيع الخبرات تحت مصطلح "عام" يدل على شيء لا يمكننا الإشارة إليه أو رؤيته أو لمسه.

لإدراك هذا الاختلاف بين نوعي المفاهيم التجريدية والملموسة، سنقوم بتجربة بسيطة نختار فيها مفهوماً مجرداً وآخر ملموساً، ونبحث عنهما في محرك البحث "غوغل"، ونختار البحث عن الصور.

فمثلا، إذا جربنا البحث عن كلمتي "تفاحة" و"حرية"، سنلاحظ أن صور نتائج البحث عن الكلمة الأولى تعرض صوراً متشابهة تمامًا مع بعضها البعض، بينما تعطينا نتائج البحث عن الثانية أنواعا مختلفة جدًا من نتائج الصور التي لا تشترك في الكثير من الأشياء.

اللغة في الدماغ
رغم هذه الاختلافات الواضحة، ورغم حقيقة أن قرابة 70% من الكلمات التي نستخدمها يومياً تتناول مفاهيم مجردة، فإن معظم النظريات العلمية التي تتناول السؤال الكبير حول كيفية عمل اللغة في الدماغ تستند إلى تحليلات الكلمات التي تدل على مفاهيم ملموسة أو محددة ومجسدة فقط، بحسب الباحثة لدى برنامج الإبداع المتعدد اللغات في جامعة أوكسفورد ماريانا بولونيسي.

وتشرح لنا هذه المفارقة نوعاً ما كيف يمكن لأدمغتنا إدراك المفاهيم المجردة؛ عبر تجاربنا اليومية وخبراتنا الخاصة.

فنحن نفهم هذه المفاهيم المجردة مثل الحب والحرية عبر معايشتها والتفاعل معها، لا عبر الحواس التي تدرك المفاهيم الملموسة.

معنى الكلمات
تشكل الألوان والأشكال والقوام والنكهات والأصوات والروائح وكل ما نراه من خلال أجسامنا؛ مساهمة في إدراكنا لمعنى المفاهيم الملموسة، ولكن ما هو لون أو شكل "الحرية"؟

إنها نوع من التجربة يمكن أن نجيب عنها مثلا بالقول "شعرت بالحرية أثناء الربيع العربي"، أو "تذوقت الحب عندما قابلت زوجتي لأول مرة"، وهكذا، فحواسنا البشرية ليست كافية لتشكيل معنى المفاهيم المجردة، بل تجاربنا الإنسانية وخبراتنا الحياتية هي ما يضفي المعنى على هذه الكلمات.


صناعة المفاهيم
يدور جدل كبير حول هذا الموضوع، وهناك رأيان فكريان رئيسيان: ما يُطلق عليه "الإدراك الأساسي" أو الأرضي، وما نسميه "الإدراك الرمزي".

يفترض كلا الرأيين أننا نفهم ونمثِّل جميع المفاهيم وفقًا لنفس المبادئ الأساسية، سواء أكانت ملموسة أو مجردة. ويجادل الباحثون بأن الاختلاف قد يكمن في نوع المعلومات التي تنقلها هذه المفاهيم.

يتنبأ فريق الإدراك الأساسي القائم على أساس أنه عندما نسمع كلمة "موز" فإننا تلقائيًا ننشّط المعلومات عن اللون والذوق والملمس وما إلى ذلك في أذهاننا؛ المستمدة من تجاربنا السابقة مع الموز.

لكن بالنسبة لكلمة "الحرية" فإنهم يجادلون بأننا ما زلنا نستدعي مشاعر وحالات شهدنا فيها "الحرية"، ولكن التركيز يكون على العواطف التي أثارتها هذه التجارب، وعلى الديناميكيات بين العناصر التي كونت مثل هذه الحالات، بدلاً من الخصائص الإدراكية والحواس.

على الجانب الآخر، يشير فريق الإدراك الرمزي إلى أن المفاهيم يتم تمثيلها في أذهاننا عبر رموز لا ترتبط بتجاربنا. ووفقاً لهذا الرأي، فإننا عندما نسمع كلمة "موز" فإننا لا نحاكي أي شيء مستمد من تجاربنا السابقة. وبدلاً من ذلك، نفهم معناها من خلال تجميع أجزاء من المعلومات عبر رموز مجردة (مثل الصفر والواحد في لغة الحاسوب).

ووفقًا لهذا الرأي، يعمل العقل على رموز عقلية مثل حاسوب بدون مكونات إلكترونية، ودون إعادة تمثيل كل تجربة سابقة لهذه المفاهيم، سواء بالنسبة للمفاهيم الملموسة أو المجردة.

المفاهيم المجرّدة
تشير أبحاث جديدة إلى أن معاني "الموز" و"الحرية" على حد سواء قد تتكون من مزيج من المعلومات التي نسترجعها من قنوات مختلفة لخبراتنا وتجاربنا على وجه الخصوص، فرغم أن الخبرات الإدراكية تشكل المكون الرئيسي لمعنى "الموز"، فإن اللغة هي المكون الرئيسي لطبخ معنى "الحرية". واللغة أداة قوية يمكن استخدامها لثني وخلق وتغيير الخبرات، بحسب بحث جديد للباحثة بولونيسي.

كبشر، نحن نبني المعنى باستخدام اللغة، فالكلمات ليست مجرد علامات نرمز بها إلى المفاهيم، وإنما هي تبني المعنى وتسمح لنا بتشكيل ودمج وتكوين أفكار معقدة يستحيل التعامل معها أو التعبير عنها بدون اللغة.

ومع أن المفاهيم الملموسة تتكون أساسا من المعلومات المستمدة من الخبرة الإدراكية، فإن المفاهيم التجريدية مصنوعة أساسًا من اللغة. وعلى هذا النحو، تمثل المفاهيم المجردة الإنجاز الأعلى والأكثر تطوراً في تطور اللغة، وربما نقطة تحول رئيسية في تطور البشرية.

المصدر : الجزيرة