*إبراهيم صموئيل

يستحقّ فنّ التصوير الضوئي (فوتوغراف) احتفاء العالم -هذه السنة- بمرور 177 ربيعا على ظهوره, إذ إنّ لهذا الفنّ خصوصيّته, ونكهته, ولمسته الإبداعيّة, وتأثيره في مُشاهده ومتلقّيه على نحو مميز له, مما لا نجده في حقول الفنون الأخرى.

فالصورة المُلتقطة بالكاميرا, سواء لمشهد أو حادث أو شخص, لها أثر خاصّ في نفس وعقل الناظر لا يمكن أن يشعر به -حتى لو كان الموضوع المُتناول ذاته- إزاء لوحة أو منحوتة, على سبيل المثال والمقارنة مع فن آخر.

في الصورة الضوئيّة, ثمّة ما هو حيٌّ. حقيقي. من لحم ودم. من واقع قام هنا أو جرى هناك أو كان يوما هنالك. ولهذا نشعر إزاء الصورة بدرجة كبيرة من التصديق, إذ هي الشخص عينه كما عرفناه, أو الواقعة ذاتها كما وقعت, أو المدينة نفسها التي عشنا فيها وقد دُمّرت.

وإذا كان الرسم أو النحت أو الفنون التطبيقيّة محرّضة للخيال كي ينطلق ويُحلّق, فإن للصورة القدرة على نقلنا إلى الشخص أو الحدث أو المشهد أو الزمن, أو استحضار كل ذلك إلينا, مكانا وزمانا وإحساسا عميقا. رسمٌ للكرة الأرضيّة, مثلا, ومهما كان دقيقا وبارع الحرفة؛ لن يُولّد فينا الرعشة والدهشة والتعجّب كما سنكون عليه أمام صورة حقيقية للأرض مأخوذة بواسطة قمر صناعيّ.

أليس هذا ما يحدث في دواخلنا عندما نتأمّل صورة لأحد أجدادنا الراحلين وهو في ورشته قبل نحو قرن, تحيط به الأدوات البدائيّة القديمة البسيطة؟ أو حين نتملّى صورة مُلتقطة أيام زمان لشوارع ومحلاّت وسكّان مدينتنا التي نحيا فيها الآن, كما كانت وكان الناس عليه في ما مضى؟

في الصورة الضوئيّة, ثمّة ما هو حيٌّ. حقيقي. من لحم ودم، من واقع قام هنا أو جرى هناك أو كان يوماً هنالك؛ ولهذا نشعر إزاء الصورة بدرجة كبيرة من التصديق

خصوصية الصورة
ولنذكر في وقتنا الحالي -كمثال على خصوصية هذا الفنّ- الضجّة الهائلة التي حدثت بعد نشر صورة الطفل السوري أيلان الكردي، المُكِبّ على وجهه فوق رمال أحد شواطئ تركيا؛ وكيف تمكنت تلك الصورة من عبور الحدود والقارات, لتُملي نفسَها على أغلفة الصحف والمجلات وشاشات التلفزة وعلى المواقع الإلكترونيّة في العالم بأسره, وتشدَّ إليها اهتمام الناس من مختلف البلدان.

ولنتذكَّر ممّا مضى, الصورةُ الشهيرة, أثناء الغزو الأميركي لفيتنام, التي يظهر فيها جندي أميركي وهو ينظر إلى الكاميرا بانتشاء وبهجة, حاملا في يديه رأسين مقطوعين لمواطنَين فيتناميين, وكيف صار لهذه الصورة -آنذاك- أن تعبر الحدود والقارات أيضاً وتُملي نفسها على مختلف وسائل الإعلام.

والآن؛ لنفترض -على سبيل تبيُّن خصوصيّة أثر الصورة الضوئيّة- أن مشهديّ الطفل المكبّ على وجهه, والجندي الحامل للرأسين, لم يظهرا في صورتين أساسا, بل تمَّ عرضهما في صالة لأعمال الفن التشكيلي, مرسومَين رسماً أو منحوتين نحتاً، هل تراه سيكون لهما -كعملين تشكيليين- الأثر النفسي المرير, والوقع المروّع للحرب, والشعور الجارح بلعنة الجرائم المُرتكبة بحق حياة الإنسان والأطفال, كما كان للمشهدين نفسيهما في الصورتين الضوئيتين المُلتقطتين؟

هذه هي, بالضبط, الخصوصيّة المُميّزة لفن التصوير الضوئي عن باقي الفنون, من دون أن يعني ذلك -بداهةً- وجود أيّ امتياز أو أفضليةٍ لهذا الفنّ في القيمة أو المستوى الإبداعي عن غيره من الفنون, ولا أن يعني -كما يرى البعض- مستوى أقلّ في القيمة الإبداعيّة من فنون أخرى.

إذا كان الرسم أو النحت أو الفنون التطبيقيّة محرّضة للخيال كي ينطلق ويُحلّق, فإن للصورة القدرة على نقلنا إلى الشخص أو الحدث أو المشهد أو الزمن, أو استحضار كل ذلك إلينا, مكانا وزمانا وإحساسا عميقا

حظ وقدر؟
قد يرغب أحدٌ بالقول إنَّ الاهتمام البالغ الذي حظيت به صورة الطفل على الشاطئ لا يمكن اتخاذه مثالاً على تميّز وأثر فنّ التصوير, لأنَّ تلك الضجَّة لا تعدو "حظّاً وقَدَراً" لحق بهذه الصورة بالذات. لكنَّ الجواب البسيط يفيد بأنّ لكلّ كائن أو شيء نسبة من الحظّ, غير أن ذلك لا ينفي وجود ما يميّزه ويمنحه خصوصيته.

تُرى, هل ضجّة الموناليزا لدافنشي حدثت كون الرسم فيها فريدا, وغير مسبوق, منذ رسوم سكان الكهوف إلى اليوم, أم شارك قَدَرُ وحظُّ هذه اللوحة بصنع ضجّتها الخرافيّة التي لا تُشبه أيَّ ضجَّةٍ في تاريخ الفنّ؟

وقد يرى آخر أنّ ضمَّ التصوير الضوئي إلى ميدان الفنون الإبداعيّة من رسمٍ ونحتٍ وحفرٍ..  ليس صائباً, لأنّ الصورة نتاج آلة التصوير أكثر مما هي جهد وفنّ وإبداع المصوّر. وفي هذا الرأي من المغالطة -وأكاد أقول من الجهل- ما لا يحتاج إلى إيضاح, إذ هل الريشة والألوان والأزاميل والمطرقة وجهاز الحاسوب والآلة الموسيقيّة هي المبدعة لأعمال الرسَّام والنحَّات والكاتب والمُلحّن, أم مواهب هؤلاء وعبقريتهم؟ 

أياً كان, فلقد قطع التصوير الضوئي شوطاً كبيراً في حقله وتجاربه, وبات فنّاً رائعاً يُتحف ويمتع البشرية بمنجزاته, عبر أعمال مترعة بالجمال والإبداع والتميّز, وخصوصاً منها تلك المُقتصِرة على الأبيض والأسود, التي يصعب مُضاهاة ما لسحرها وتأثيرها في الروح والنفس والذاكرة.
____________
*قاص وكاتب سوري

المصدر : الجزيرة