كمال الرياحي-تونس

تتدفق علينا بين الحين والآخر ظاهرة جديدة في الأدب الخليجي متمثلة في روايات عن تجارب ذاتية للمبتعثين إلى الخارج من الطلبة، خاصة الذين توجهوا إلى أميركا، ولعل الرواية السعودية تعتبر مثالا دالا على هذه الظاهرة التي تشكلت وأصبحت لها مدونة محترمة كميا، ونحسب أن الظاهرة ولدت منذ سنوات طويلة مع المؤسس غازي القصيبي.

وهذه الظاهرة كما قدمت الجيد قدمت الرديء والضعيف، لكنها تبقى جديرة بالقراءة أحيانا لدواع غير أدبية كفهم ذهنية الشاب الخليجي الذي تدفعه الصدف والظروف أحيانا إلى أن يحزم حقائبه ويتجه نحو أميركا أو غيرها ليجد نفسه في مواجهة نفسه قبل مواجهة الآخر، وهنا يمكن أن ننزل رواية "سعوديون مبتعثون" لعوده الحويطي الصادرة مؤخرا عن دار الساقي.

الغربة في أميركا
تقص الرواية حكايات وتجارب المبتعثين السعوديين إلى أميركا، حيث توزعوا على ولاياتها للدراسة وعاش كل منهم تجاربه الخاصة، ويبدأ السرد بإحساس غريب من المبتعثين الذين يتهيبون هذه الرحلة المحفوفة بالمجهول والغموض، ولذلك يسقطون في الإحساس بالغربة من الساعات الأولى، وقبل أن تصدمهم العادات الجديدة والحياة اليومية في أميركا تصدمهم حقيقة جهلهم باللغة الإنجليزية مما يجعلهم في حالة من الخرس، والمشرف على البعثة يوزعهم على المعاهد في الولايات كمن يمزق جسدا واحدا ويرمي أطرافه كما شاء.

الغربة وضعت الطلاب السعوديين أمام مسائل جوهرية في بناء الشخصية السعودية متعلقة بالعادات والتقاليد لا بالدين

يسقط كل مبتعث في غربة خاصة حينما يسحب لسانه منه ويجد نفسه عاجزا عن التواصل مع الآخرين المختلفين حتى تظهر له ألسنة ناطقة بلغته من أبناء جلدته أو من العرب هناك فيستكين لها في ما يشبه الملاذ، ويسقط في دوامة من العواطف نحو هؤلاء، مرجعها إحساس كبير بالفقد ومحاولة أخيرة لاستعادة العالم الذي أكلته أميركا في المطار حينما كفت اللغة العربية عن الهدير.

إن الغربة وضعت الطلاب السعوديين أمام مسائل جوهرية في بناء الشخصية السعودية متعلقة بالعادات والتقاليد لا بالدين، ولعل الموقف الوجودي الذي تعرض له الطالب سعد الصحراوي في فصل تعلم اللغة الإنجليزية مثال دال، حيث وضعته الأستاذة في مواجهة طالبة سعودية من جدة ليتبادلا الحديث بالإنجليزية فإذا بهما في مأزق كبير، فلا تعود هو مخاطبة النساء ولا تعودت هي مخاطبة الرجال، والأسوأ أن كلا منهما يحمل نظرة دونية للآخر، فالجديون -من جدة- يرون الصحراويين أجلافا، وأهل الصحراء يرون المرأة الجدية (من جدة) متحررة أكثر من اللازم، وانتهت المواجهة الصامتة بانسحاب سعد وعودته إلى مكانه من دون أن يتبادلا الحديث وينجزا التمرين.

هذا الموقف فتح باب الغربة على مصراعيه، وأخذ الراوي يفككها عبر الرواية وتجارب الشخصيات ورؤاهم فتفضح الرواية الغربة المضاعفة للمبتعثة الأنثى عن المبتعث الذكر، فهي تنتقل لأميركا بكل إرثها التقليدي وبكل عاداتها من اللباس إلى السلوك، مما يجعلها في مأزق ومرمى فضول الكل أينما ظهرت عكس الرجل الذي في إمكانه أن يموه بالاندماج السلوكي أو المظهري.

عكست الرواية حالة مفزعة للنخبة السعودية في أميركا المكبلة بأغلال العادات المحلية التي تحولها إلى كائنات انطوائية تفرغ أفكارها وهواجسها في الافتراضي لتعيش حيوات متعددة لا يمكن إلا أن من تزيد أزمة الإنسان السعودي في التعاطي مع الآخر محيطا وبشرا

مواقع الإنترنت أو الهروب إلى الافتراضي
يهرب بعض المبتعثين من الواقع إلى عالم المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، وهذا ما قام به منير والطالبة حنان التي رغم أنها بالمرحلة الأخيرة من بعثتها ورغم صخبها -كما يصفها منير- فإنها لم تقدر على الاندماج ولاذت بالافتراضي لتعبر عن ذاتها.

وبهذا عكست الرواية حالة مفزعة للنخبة السعودية في أميركا المكبلة بأغلال العادات المحلية التي تحولها إلى كائنات انطوائية تفرغ أفكارها وهواجسها في الافتراضي لتعيش حيوات متعددة لا يمكن إلا أن تزيد من أزمة الإنسان السعودي في التعاطي مع الآخر محيطا وبشرا.

ترهل في السرد واختلال الإيقاع
تعاني هذه الرواية من أزمة في البناء بسبب طولها وحشوها بالأفكار القومية وقضية فلسطين التي بدت مقحمة ومسقطة وانسياق كاتبها وراء الحكايات الجانبية التي تحدث للمبتعثين ونقل حواراتهم الافتراضية فتختل إستراتيجية التناوب التي بدأ بها الكاتب في تقديم الطلاب وتجاربهم، مما جعل الحبكة تترهل، وتتحول الرواية إلى مجرد مذكرات للمبتعثين يرويها راو عليم من دون إيقاع مضبوط.

ونحسب أن هذا العمل خانه التكثيف ولا يحتاج إلى أكثر من مئة صفحة في الوقت الذي امتد على قرابة الثلاثمئة صفحة أرهقته، فتسبب الانسياق وراء تسجيل تلك الحكايات في إهمال الجانب المنتظر وهو التفاعل مع المحيط الجديد حتى أننا لا نكاد نعثر من أميركا إلا على الطقس البارد والثلوج التي تغطي المباني.

وإن عكس هذا انطوائية الشخصيات وفرارها من واقعها الجديد فإن هذه الرواية على عكس ما حدث مع روايات عربية مؤسسة لهذا النوع كـ"موسم الهجرة إلى الشمال" بدت باهتة لا تذهب إلى عمق اللحظة الفارقة، مما يدفعنا إلى التساؤل عن مستقبل هذا النوع من الكتابات، وهل يعكس هذا استسهالا بدأ يهدد الرواية الخليجية أو هي ارتعاشات النصوص الروائية البكر ومآزقها؟

المصدر : الجزيرة