أمير تاج السر

كتبت إحدى القارئات على موقع من مواقع التواصل الاجتماعي أنها تحس بالاستغراب من تصرف بعض الكتاب، وفيهم كتاب يعدون كبارا من ناحية العمر والنجز الإبداعي، حين يسجلون في مواقع القراءة بأسماء مستعارة ومتعددة، ويقومون بتقييم أعمالهم تقييما عاليا.

وذكرت أن ذلك واضح لأن الأسماء التي قرأتها وقرأت تقييمها، ليس لها رف في مواقع القراءة يحمل كتبا قرئت لآخرين أو كتبا في سبيلها للقراءة، وأيضا ثمة رسائل تزكية كثيرة للآخرين، من أجل أن يدلوا برأي إيجابي في كتب بعينها.

وفي الواقع فإن مسألة الكتابة في حد ذاتها ومهما كانت نتائجها من حيث الجودة والفن، أو الرداءة، هي مسألة فيها الكثير من العناء. والمشتغل بهذا النمط من الإبداع يحس بالقهر في كل يوم، حين يرى أشخاصا في مجالات إبداعية أخرى، يشتهرون ويغتنون، ويسافرون ويجيئون، ولا تغيب صورهم وأسماؤهم عن الإعلام بكل أنواعه، بينما الكاتب صاحب النص الذي ربما ينتج سينمائيا أو تلفزيونيا، لا يحصد سوى النقد الذي يكون في الغالب نقدا جارحا، والشاعر الذي يكتب أغنية تنجح على مستويات كثيرة لا يشار له بأي نوع من الإشارات، وتبدو الأغنية في نظر المتذوقين أغنية لفنان ما وكفى.

لقد ذكرت من قبل أن المبدع الكتابي حتى لو حقق نجومية في وقت ما، فهي نجومية فقيرة، نجومية ربما تجعل جارا خشنا فيما مضى يبتسم في وجهه، ويناديه بالأستاذ، ربما تجعل رئيسه في العمل، أقل صرامة في التعامل معه، وبعض العيال الذين يلعبون الكرة في شارع بيته يتوقفون عن اللعب، حين يمر، ونادرا ما تجد نجما انطبقت عليه مقولة: ملأ الدنيا وشغل الناس.

وإن كان هناك من فعل ذلك من الكتاب أو الشعراء فيما مضى، فلأن الأدب في حد ذاته كان يملك شخصية قوية، أو شخصية طاغية، وعلى الأصح لم تكن ثمة فنون أخرى تملك شخصيات منافسة، لتبارزه وتخفف من قدره.

مسألة الكتابة في حد ذاتها ومهما كانت نتائجها من حيث الجودة والفن، أو الرداءة، هي مسألة فيها الكثير من العناء

تراجع مفهوم الإبداع
كان كثير من الأدباء يملؤون الدنيا الصغيرة تلك، ويشغلون الناس الذين لم يكن هنالك ما يشغلهم، فينشغلون بالمبدع، ومع التقدم الحادث في الدنيا في شتى المجالات، وتراجع مفهوم الإبداع ليصبح مجرد موضوع هامشي من مواضيع الدنيا العديدة الأهم، باتت النجومية إذن، تلك الفقيرة، أو المنعدمة تماما.

في نهاية السبعينيات من القرن الماضي كنت طالبا ثانويا، أكتب الشعر، ويردده المغنون المعروفون في مدينة بورتسودان، وكانت ثمة فرصة للحصول على بعض الدعم المعنوي بسبب أن الإبداع عموما في تلك الفترة كان بابا شبه مغلق، لا يطرقه إلا من كان يملك حيلة ما، وكانت حيلتي هي الشعر العامي الذي يمكن أن يردد المغنون كثيرا منه.

لقد اشتركت في تلك الفترة في برنامج تلفزيوني إذاعي اسمه: "من خارج الأستوديو"، يقدمه إذاعي لامع في تلك الفترة، هو صلاح طه. وكان البرنامج يتجول في المدن المختلفة بعيدا عن العاصمة، يلتقط المواهب ويقدمها عبر الإذاعة. وكان له مستمعون كثيرون جدا، بسبب أن الإذاعة في تلك الفترة، كانت ذات كيان قوي، وتصل إلى أماكن كثيرة لم تسمع بالإعلام المرئي إلا بعد سنوات من ذلك.

بعد أن بثت تلك الحلقة، تحولت إلى شاعر معروف في مدينة بورتسودان، شاعر بنجومية فقيرة، كالتي ذكرتها، حيث أصبح يبتسم لي مدرس اللغة العربية، ويشركني في قراءة الشعر الجاهلي، ومحاولات الإعراب في المسائل النحوية، يقدمني زملائي في أي نقاش أو معضلة بحاجة لحل، وخفّت كثيرا حدة والدي في التعامل معي كابن له بحاجة إلى حدة في التعامل.

كانت ثمة مكتبة بالقرب من المدرسة، يملكها شخص اسمه أحمد كما أذكر، وكنا نستعير منها بقروش قليلة بعض الكتب التي كانت في معظمها كتبا تراثية، مثل كتب الجاحظ، وكليلة ودمنة، وبعض الأجزاء من ألف ليلة وليلة. وكان أن تحولت في تلك المكتبة إلى مستعير للكتب بلا أي تكلفة، أجلس داخل المكتبة، وأطلب ما أريده من الكتب، آخذها وأمضي.

الكتّاب إذن، الذين ينشئون حسابات إضافية ومتعددة في مواقع القراءة، ويقومون بتقييم أعمالهم تقييما عاليا، لم يحصل معظمهم حتى على تلك النجومية الفقيرة، التي ترفع من معنوياتهم، وتجعلهم ينتجون، وهم على ثقة أن هناك من يقرأ لهم، وهناك من يثني على إنتاجهم، وهناك من سيدعوهم لإحياء أمسية أو المشاركة في ندوة، في بلد، تقام فيه الأمسيات الأدبية.

لأن الكتابة في النهاية قضاء وقدر، ولا أحد من الذين أصيبوا بمرضها يستطيع أن يشفى، ستكون الحال كما هي: تعب واجتهاد وأسى، وبحث دائم عما يرفع من المعنويات

الزمن يمضي
هم في الغالب، يحسون بأن الزمن يمضي، ولا شيء يتغير، وبعض الكتاب يظهرون وينتشرون، وهم في أماكنهم، والقراء يقرؤون لكنهم لا يقتربون منهم، أو يقتربون ولا يكتبون عنهم شيئا. إنه إحساس مرير، أن تكون مبدعا بإحساس أن لا حاجة لإبداعك، تجتهد وتكتب، وقد تنجح فنيا أو تخفق، لكن لا بد من أن يمر أحد ويلقي السلام على اجتهادك، وبعد ذلك يقرر إن كنت نجحت أم أخفقت.

ولأن الكتابة في النهاية قضاء وقدر، ولا أحد من الذين أصيبوا بمرضها، يستطيع أن يشفى، ستكون الحال كما هي: تعب واجتهاد وأسى، وبحث دائم عما يرفع من المعنويات.

وبرغم كل ما ذكرته، وما حدث في هذا الزمن من تدهور شديد في صحة الكتابة والقراءة معا، وأن المصابين الحقيقيين قد يحاولون البحث عن خلاص، نجد من يتعمد أن يصيبه مرض الكتابة، وهو ليس مريضا حقيقيا، من يجلس ويجلس، ويكتب أشياء متكلفة ولا تحتوي على حنكة، أو تضخ المتعة، ولا أعرف ما هو الهدف؟

لا أظنها النجومية، ولا نجومية إلا تلك الفقيرة إن حدثت. ليس المال، ولا مال من وراء الكتابة، خاصة في بلاد العرب، حيث الكاتب وحتى لو كبر في العمر والصنعة، فهو موظف صغير في دور النشر، يداوم فيها كاتبا، وربما يسأل بين حين وآخر: أين جديدك؟

المصدر : الجزيرة