أنطوان جوكي

لم تثنِ الروايات الكثيرة المستوحاة من حياة الأمير عبد القادر الجزائري الكاتب والمستعرب الفرنسي لوييك باريير عن قراره العودة إلى هذه الشخصية الفريدة في تاريخنا العربي في رواية جديدة صدرت حديثاً في فرنسا، وذلك بهدف إبراز نموذجيتها على أكثر من صعيد.

دافِعُ كتابة باريير هذا النص، الذي يحمل عنوان "رواية عبد القادر"، والذي يبدو موجّهاً للشبان والشابات تحديدا في فرنسا هو سدّ نقص في ثقافتهم؛ عبر تسليطه الضوء على حقبة تاريخية من المفترض أن تهمّهم، وتعريفهم بشخصية عربية ومسلمة غنية بإنسانيتها، تقع على نقيض القوالب المتداولة حالياً في الإعلام الغربي.

تنطلق أحداث الرواية بالفصل الدموي الذي يقع في بداية الحملة العسكرية الفرنسية على الجزائر، أي المذبحة التي ارتكبها الجيش الفرنسي في حق قبيلة العوفية عام 1832، ثم تعبر معظم المحطات المهمة من نضال الأمير عبد القادر ضد الاستعمار، قبل أن تقفز في النهاية إلى مرحلة منفاه في دمشق، مهملة السنوات الخمس التي أمضاها أسيراً في فرنسا.

ولسرد روايته، يبتكر الكاتب شخصية فتى في سن العاشرة يدعى رشيد، الذي يرافق عبد القادر في حله وترحاله بما يتيح له سرد مسيرته الفريدة

رشيد
ولسرد روايته، يبتكر الكاتب شخصية فتى في سن العاشرة يدعى رشيد، ويتميّز بموهبة للدراسة، لكنه يمنح دائما معلمه الانطباع بأنه يرغب في أن يكون في مكان آخر غير المدرسة التي يتردد عليها يومياً؛ والسبب حلم يراوده كلما أغلق عينيه، ويرى نفسه ممتطيا حصانا ويعبر سهلا يغطيه الضباب.

وبما أنه من قبيلة العوفية، فلن يلبث رشيد أن يصبح يتيماً إثر مقتل جميع أفراد عائلته خلال المذبحة المذكورة، أما نجاته فتعود إلى رمي نفسه داخل بئر، وبعد فترة قصيرة يمضيها في منزل أرملة فقيرة تحتضنه، يقرر مرافقة ابنها في رحلة طويلة نحو الغرب الجزائري لوضع نفسه في خدمة ذلك الإمام الشاب الذي يسعى مع والده إلى توحيد القبائل ضد المحتل الفرنسي.

هكذا سيتعرّف رشيد إلى الأمير عبد القادر، الذي سيعامله كابن له ويوكل إليه مهمة الاعتناء بخيله، ثم يأتمنه على مخطوطاته، قبل أن يجعل منه سكرتيره الخاص، الأمر الذي سيسمح لهذا الفتى بمتابعة وسرد مسيرته الفريدة من مدينة أم عسكر إلى مدينة تكدمت، ومن مدينة الزمالة النقّالة إلى دمشق، متوقّفاً بالتفصيل عند إنجازاته الحربية وغير الحربية، وأيضاً عند إجرام الجيش الفرنسي والمجازر التي ارتكبها في حق الجزائريين خلال تلك الفترة.

باختصار، يقرأ باريير في روايته حملة فرنسا العسكرية على الجزائر من خلال مختلف مراحل مقاومة الأمير عبد القادر لها، واضعاً تأملاته فيها على لسان الفتى رشيد الذي سيكبر في كنف أميره، ويتعلّم منه الكثير نظراً إلى تشاركهما التطلّعات نفسها.

النقطة الأهم التي يركّز باريير عليها في روايته هي الجانب الإنساني والروحي في شخصية الأمير عبد القادر الذي يظهر في تفضيله أسر الجنود الفرنسيين على قتلهم، وفي معاملتهم بأفضل طريقة ممكنة عند أسرهم

جوانب متفرقة
وتسمح هذه الرواية لقارئها بالاطلاع عن كثب على شخصية الأمير عبد القادر الفذّة وحياته المليئة بالأحداث، بدءاً بالمعارك الكثيرة التي قادها ضد المستعمر الفرنسي، وتتجلى فيها شجاعة نادرة وحس إستراتيجي حربي نال إعجاب أعدائه، مروراً بما أنجزه على الصعيد المدني داخل إمارته، وانتهاءً بثقافته الواسعة ومكتبته التي كانت تعجّ بالمخطوطات الثمينة، قبل أن يحرقها الدوق دومال لدى سقوط مدينة الزمالة عام 1843.

لكن النقطة الأهم التي يركّز باريير عليها في روايته هي الجانب الإنساني والروحي في شخصية الأمير عبد القادر الذي يظهر في تفضيله أسر الجنود الفرنسيين على قتلهم، وفي معاملتهم بأفضل طريقة ممكنة حين كانوا يقعون في الأسر، كما يظهر في مدافعته النبيلة عن مسيحيي دمشق وإنقاذه الآلاف منهم أثناء الأحداث المؤلمة التي عصفت بسوريا ولبنان عام 1860.

وفي هذا السياق، تبيّن الرواية كيف أن كل فصول حياة الأمير عبد القادر يمكن قراءتها على ضوء مبادئه وقيمه كمؤمن وممارسته لدينه حيث يصبح مفهوما الرأفة والتسامح جوهريين، كما تبيّن كيف أن الحرب فُرضت عليه ولم يكن إطلاقا من محبّيها، وإن برع فيها، متوقفةً مراراً عند ترداده أمام المقرّبين منه بأن هدفه الأول في الحياة هو الجهاد الأكبر، أي جهاد النفس الذي نقوده ضد ذاتنا.

نشير في النهاية إلى أن الرواية، رغم جانبها الموضوعي الموثّق، تعاني من ضعف في محرّكاتها السردية، ومن انعدام عنصر التشويق فيها. ومع ذلك، تبقى قراءتها مفيدة لتوفيرها معطيات غزيرة حول موضوعها، وسعي صاحبها إلى إبراز الأمير عبد القادر كشخصية قادرة على مصالحة ضفّتي المتوسط، وتبديد سوء التفاهم الراهن بين شعوبهما.

المصدر : الجزيرة