أنطوان جوكي-باريس 

لم يمض عام على صدور رواية الكاتب الجزائري أحمد تياب الأولى "فرنسي في مدينة روزفيل" وها هو يطل علينا برواية جديدة صدرت كالسابقة عن دار نشر "لوب" الفرنسية بعنوان "الصحراء أو البحر" ويصور فيها بمهارة سردية قدر الشبان الأفارقة الذين يقررون يوما مغادرة وطنهم لبلوغ أوروبا.

أحداث الرواية تقع في بلدين الجزائر والنيجر، حيث نتعرف إلى شخصيتين رئيسيتين هما كمال وفاتو. الأول مفتش شرطة جزائري يضع يده على ملف الاتجار بالبشر إثر مشاهدته جثث رماها البحر على شاطئ وهران.

الأخرى طالبة تعيش مع عمها في مدينة نيامي وتقرر الفرار مع الشاب علي من بيت هذا العم الذي لا يفكر سوى في اغتصابها، كما فعل مع ابنته من قبل. وخلال رحلتها، تلتقي بأشخاص كثر، نوايا بعضهم طيبة ونوايا البعض الآخر في غاية السوء، قبل أن يضعها القدر على طريق كمال.

تنطلق عملية السرد في مدينة وهران، حين يعثر المفتش كمال على جثث تتعفن تحت أشعة الشمس. ولأن هذه الجثث تحمل على وجوهها آثار "ندب طقسية" يحزر بأنها تعود إلى أولئك المهاجرين الأفارقة الذين يستميتون لبلوغ الضفة الشمالية لـحوض المتوسط.

لكن بما أن الجزائر لم تكن يوما محطة على طريق هؤلاء، نراه يجمع فورا مساعديه لكشف أفراد العصابة التي قررت اغتنام فرصة انسداد الطرق التقليدية لـالهجرة غير النظامية، التي تمر عادة في ليبيا وتونس، من أجل فتح طريق لها بين شاطئ وهران وإسبانيا.

تياب يعطي الأولوية في سرديته لرحلة الشابة فاتو من بلدها إلى الشواطئ الجزائرية

رحلة فاتو
تجدر الإشارة هنا إلى أن تياب يعطي الأولوية في سرديته لرحلة الشابة فاتو من بلدها إلى الشواطئ الجزائرية. أما التحقيق الذي سيقوده كمال، وينتهي بعثوره على هذه الشابة سجينة في عنبر قريب من المرفأ، فيشكل وقفات ضرورية للقارئ كي يسترجع أنفاسه ويتابع تفاصيل رحلة فاتو المرعبة بقدر ما هي مؤلمة.

وبسرده بالتناوب قصتي شخصيتيه، يمنح الكاتب لروايته إيقاعا حيويا يمسك بقارئه ويغوص به في معاناة المهاجرين الأفارقة وأولئك الذين يستفيدون من وضعهم المأساوي، وذلك بفضل وصف متأنٍ نتعرف فيه بدقة إلى قارة بوجهين: أفريقيا السوداء وتلك المغاربية.

ويسير بنا هذا الوصف طويلا في الصحراء حيث يحوم الموت في كل مكان وينقض على كل من تساوره فكرة التوقف أو العودة إلى الوراء، قبل أن يبلغ بنا البحر الذي يبتلع المبحرين في مياهه على متن قوارب خشبية هشة، ثم يلفظ جثثهم على شواطئه.

ومن خلال هذا الوصف، نكتشف عن قرب بؤس هؤلاء المغامرين، وخلفيات الاتجار بالبشر الذي يدر أموالا طائلة على ممارسيه، والخيط الموجه لعملية السرد التي لا تهمل في بدايتها ما تتعرض له النساء في أفريقيا: اغتصاب، دعارة، وزنى ذوي القربى، ويدفعها إلى الفرار بأي ثمن.

على غلاف الكتاب، نقرأ عبارة "رواية بوليسية" (Polar). ولا شك أن الناشر وضعها لجذب أكبر عدد ممكن من القراء إلى شرائه، علما بأن هذه العبارة تقلص من قيمة الرواية التي تكمن في سرديتها الغنية بالتفاصيل والأحداث، وبنيتها المحكمة وأسلوب كتابتها الجميل.

النص رغم سوداويته لا يخلو من طرافة تلطف سرديته ومن صفحات مشرقة، كتلك التي تصور الصحراء أو وصف أمل وعزيمة السائرين في جحيم كثبانها

نظرة بصيرة
وتكمن أيضا قيمة الرواية في تمكن تياب داخلها من إلقاء نظرة بصيرة على الواقع القاسي لعالمنا حيث يبدو الإنسان مجرد سلعة يمكن الاتجار بها، وبالتالي من تحويل نصه إلى رسالة هجاء قارصة موجهة إلى المسؤولين السياسيين في أفريقيا وخارجها الذين يغلقون أعينهم على المأساة الموصوفة، حين لا يكونون متورطين في أسبابها.

وفي هذا السياق، يتوقف مليا عند الوضع الراهن للجزائر حيث السلطات السياسية ما زالت غير راغبة في التحاور والتعاون مع سلطات الدول المجاورة، والجيش ما زال يتحكم بجميع مرافق الدولة، والمهاجرون غير مرحب بهم أو يعاملون باحتقار، وريح الثورات العربية لم تمس بعد طريقة سير المؤسسات الحكومية.

باختصار، نص ذو طابع إنساني يفتح صاحبه فيه عيوننا على مأساة المهاجرين غير الشرعيين التي تدوم منذ فترة طويلة، بجعله من البحث المستحيل عن حياة أفضل البطل الحقيقي للرواية.

يبقى أن نشير إلى أن هذا النص رغم سوداويته، لا يخلو من طرافة تلطف سرديته ومن صفحات مشرقة، كتلك التي يصور الكاتب فيها مناظر الصحراء أو تلك المرصودة لوصف أمل وعزيمة السائرين في جحيم كثبانها.

المصدر : الجزيرة