أمير تاج السر

منذ فترة كنت دعيت للتحدث عن الأدب الساخر في فعالية لأحد معارض الكتب العربية، وذلك بوصفي كاتبا ساخرا، وكان مأزقا كبيرا أن أتحدث في موضوع لا يخطر على بالي كثيرا حتى وأنا أكتب أدبا عد ساخرا ولم أحسبه كذلك في ساعة الكتابة.

من المعروف أن السخرية في الأدب -سواء كان شعرا أو نثرا- لها تاريخ قديم، وكان الشعراء قديما يسخرون من زملائهم ومن مفردات مجتمعهم وحتى من أنفسهم أحيانا، وتبقى الأبيات الشعرية الساخرة في الأذهان أكثر من بقاء الأبيات الجادة.

وتشتهر قصائد الهجاء اللاذعة المطعمة بالسخرية كثيرا، ويشتهر من أطلقها، وقد قسمت تلك السخرية الأدبية بواسطة باحثين بعد ذلك إلى أقسام كثيرة، وربما اعتمدوا في ذلك على مناسبات إطلاق تلك السخرية، سموها المبطنة، والفلسفية، والعقلية، وكلها في النهاية سخرية، منها ما جاء في شكل تهكم كبير ومزعج، وما جاء في شكل همس ساخر لطيف أشبه بالابتسامة في وجه أحد.

في قراءتي الخاصة للسخرية أعتقد أنها بالضبط ذلك الكسر المتعمد أو غير المتعمد في جمود الأعمال الكتابية المعتادة، وذلك بزرع ابتسامة هنا وبذر ضحكة هناك، ورسم كاريكاتير انتقادي هنا وهناك، إنها بالضبط تلك الحياة التي نحياها، مرة بوجوه عابسة، ومرة بوجوه منشرحة، وكلها في النهاية حياة نحياها إلى النهاية.

المرؤوس قد يسخر من رئيسه الذي يظلمه بإطلاق وصف ضاحك، أو نكتة سيبتسم لها المسؤول نفسه لو سمعها، ودائما ما توجد تلك النكات السياسية التي تتهيج حين يشتد بؤس الواقع، ويصل الناس فيه إلى ذروة التعاسة.

هذه النكات قطعا تصل للحكام الذين أطلقت في حقهم، وغالبا يبتسمون لها كأي بشر آخرين، يملكون الابتسامات ويستخدمونها حين يأتي وقت استخدامها، وقد سمعت مرة وزيرا ساخرا يروي نكتة قيلت في حقه باعتباره من سدنة ذلك العهد، ويقهقه بأعلى صوته انسجاما مع مفردات النكتة لنضحك كلنا خلف ضحكته.

السخرية هي أيضا الكسر المتعمد أو غير المتعمد في جمود الأعمال الكتابية المعتادة، وذلك بزرع ابتسامة هنا وبذر ضحكة هناك، ورسم كاريكاتير انتقادي هنا وهناك

سخرية روائية
بالنسبة للنثر، وللعمل الروائي خاصة، ترى ما الذي يمكن أن يضحك فيه؟ كيف تكون الرواية مسرحا للنكات؟ أو فلنقل فيها مجال للإضحاك؟

أعتقد أن كتابة الرواية أولا فن يمكن أن يحتوي على كافة الفنون داخله، ويمكن بذلك إدخال المجتمعات بخيرها وشرها فيه، وإدخال مفردات الحياة كلها، تلك التي تنادي بها القواميس والدساتير، والتي تنادي بها الشوارع، وبالطبع لا بد من بشر، هم شخصيات الرواية الذين سيدعي الكاتب أنه اخترعهم، بينما هم موجودون في الأصل قريبا منه، في بيته، في حارته، في الشارع الذي يليه، وفي مدينته ووطنه، والعالم كله.

داخل تلك اللعبة السردية، وأعني الرواية التي يكتبها أحدهم، سنجد شخصيات مرسومة بلغة كاريكاتورية، وهذا ما يضحك فعلا، سنجد شخصا بعين ترمش بلا سبب، شخصا أحول وينوي الزواج من ملكة جمال داخل النص، ونبتسم أيضا، ونجد المتسول الذي يجلس في ركن ما، في شارع ما، يتحرك فجأة من ركنه، يطرق أقرب بيت ويقول للفتاة الجميلة المتأنقة التي فتحت الباب: جئت أطلب يدك، وغالبا نضحك من شخصية كهذه في موقف كهذا.

والحوارات بين الشخوص داخل النص نجد منها الجدي ومنها الساخر، سنجد سيرا معينة لمواضيع معينة ترد في الحوارات، دائما تجر وراءها السخرية حتى لو كانت تلك المواضيع حيوية لكن السخرية تتلقفها.

مثلا كل حديث عن انقطاع الكهرباء في بلاد يحدث فيها هذا لا بد أن يكون ساخرا، وكل سيرة للزواج وراءها ابتسامات، لا أدري لماذا؟ وأذكر أن أستاذ طب الأعصاب علمنا قديما في فحص شلل العصب السابع بالوجه والذي يبين فيه ميلان الوجه إلى أحد الجوانب حين يبتسم المريض أن نقول له إن كان رجلا: سنزوجك، فيبتسم فورا، وإن كان امرأة تسألها: هل تجيدين الطبخ؟ فتبتسم أيضا.

ما يسمى أدب الفكاهة -وهو عبارة عن نكتة طويلة- من الممكن جدا أن يضحك لها الجميع، ومن الممكن أيضا ألا تضحك أحدا

كوميديا سوداء
جهل الشخصيات داخل النصوص فيه سخرية أيضا، الجهل بالحياة، والجهل بعواقب السلوك، كلها أمور تشد الابتسامات، وهنا تأتي ما يسمونها الكوميديا السوداء، أي تلك السخرية الحادثة في نص جامد للغاية، ويمكن أن يكون نصا عن الجريمة أو عن مرض فتاك أو عن مأساة عائلية ضاعت فيها إحدى الأسر.

ومثل هذه السخرية منتشرة كثيرا، ببساطة لأن معظم من يكتبون لا ينوون أن يكتبوا أدبا ساخرا، هم منطلقون في الكتابة بسجيتهم وبجديتهم وربما بصرامتهم المطلقة، لكن لأن النص هو الحياة ولكن في حيز ضيق تأتي تلك السخرية وسط البكاء والعويل والقسمات العابسة.

في أحد نصوصي رسمت شخصية عامل نسيج من الجنوب يسافر إلى دولة مجاورة ويعود مصابا بمرض فتاك يسبب الموت والفناء لسكان بلدته، وكنت عابسا ومرتعبا شخصيا وأنا أكتب النص، وفوجئت أن معظم من كتبوا عنه بعد ذلك رددوا كثيرا أنهم كانوا يبتسمون أو يضحكون، والنص يصافحهم بالمأساة، لم يقل أحد: ما الذي أضحكه؟ لكنه ضحك فقط، وحين عدت لقراءة النص وجدت ما يبكي وما يضحك مثل القراء تماما.

إذن، السخرية في الأدب إن كانت غير متعمدة تأتي بتلك الكيفية التي ذكرتها، وإن كانت متعمدة فهذا شيء آخر، إنه ما يسمى أدب الفكاهة، وهو عبارة عن نكتة طويلة من الممكن جدا أن يضحك لها الجميع، ومن الممكن أيضا ألا تضحك أحدا، ذلك إن كانت نكتة لم تتم صياغتها بروح ضاحكة.

المصدر : الجزيرة