تؤرخ الكاتبة لبعض التحولات المفصلية التي ألقت بظلالها على فلسطينيي الداخل والشتات، منها مثلا متغيرات ما بعد اتفاق أوسلو، إذ تلفت الراوية إلى صراع مستجد بين القبح والجمال في مختلف التفاصيل والأمكنة، وكيف مهد الاتفاق لاستيطان مختلف.

هيثم حسين

تدون الفلسطينية إيناس عبد الله في روايتها "بريد الجحيم" صورا من الذاكرة الفلسطينية تعود إلى سنوات النكبة، لتصور تفاصيل من النزوح الفسطيني حينذاك، والانتقام الشديد الذي تعرض له الفلسطينيون على أيدي الصهاينة، وكيف تشبث قسم منهم بأرضه ودفع ضريبة بقائه دما، وحاول الصمود في وجه هجمات العصابات الصهيونية.

بالموازاة مع بدايات النكبة، تنتقل الكاتبة لتستعيد حوادث على هامش نزوح الفلسطينيين من لبنان بعد الحصار الإسرائيلي للعاصمة بيروت في بداية الثمانينيات، والانتقال إلى تونس، والمشقات التي تعرضوا لها، واستمرارية الحياة وسط تلك الظروف القاهرة، واستمرارية الحب وتجدد دورته التي تبث حياة وأملا في أرواح الناس.

النازحون يتسامون على جراحهم، يكابرون على آلامهم، يحاولون التأقلم مع ظروف حياتهم الجديدة في تونس، يتم تتويج علاقة حب بالزواج، لتكون نتيجتها الراوية التي تنتقم لشتاتها بالتذكر، وتستعيد ماضي والديها وجدها.

إيناس عبد الله ولدت في نيويورك
عام 1977 لوالدين فلسطينيين (الجزيرة)

استيطان مختلف
إيناس عبد الله التي ولدت في نيويورك عام 1977 لوالدين فلسطينيين، وعادت في عمر السابعة للعيش في فلسطين حتى أكملت تعليمها العالي في تخصص علم النفس الإكلينيكي، وهي تعيش في دبي منذ عام 2010 وتعمل في مجال الإعلام المكتوب، سبق أن نشرت رواية "لا ملائكة في رام الله".

تؤرخ إناس لبعض التحولات المفصلية التي ألقت بظلالها على فلسطينيي الداخل والشتات، منها مثلا متغيرات ما بعد اتفاق أوسلو، إذ تلفت الراوية إلى صراع مستجد بين القبح والجمال في مختلف التفاصيل والأمكنة، وكيف مهد الاتفاق لاستيطان مختلف.

تتبعت الكاتبة أحوال بعض الفلسطينيين ومعاناتهم في ملاجئهم التي استوطنوها، بالموازاة مع رصد أحوالهم في مدنهم ومعاناتهم فيها، تتنقل بين رام الله، القدس، بيروت، تونس، بغداد، بوسطن، وغيرها من مدن الشتات، وأبرزت كيف ظل الفلسطينيون يحملون ندبة الرحيل والنزوح في أرواحهم، وكيف لازمتهم حالة الاغتراب في حلهم وترحالهم، وكيف يرث الجيل الجديد هذه الحالة من جيل الآباء والأجداد الذين اكتووا بنيران النزوح عقب النكبة.

تسترجع الرواية براءة الطفولة وشقاءها وجمالياتها عبر تداعٍ حر، وبصيغة ذكريات مستعادة مؤثرة، لتكون متراسا ضد الأسى ومرارة الواقع, ويكون المعتقل هو المكان الأكثر حضورا وبروزا في الرواية، فهو الجحيم الذي يقبع فيه الأسرى الفلسطينيون، ومنه يرسلون رسائلهم إلى العالم عبر بريد منظمة الصليب الأحمر الدولية التي تكون صلة الوصل بينهم وبين الخارج، ويكون بريدهم مزيجا من مشاعر التحدي والأمل.

تعتمد الروائية لغة شاعرية في الوصف، وتلجأ إلى صيغة التراسل كبناء لروايتها، ولا يخفى أن هذه الصيغة باتت مكررة كثيرا، وكلاسيكية في الفن الروائي، إذ تستلم كل شخصية مقاليد السرد في رسالتها، يتعدد الرواة لكنهم يدورون في فلك الرسائل، وذلك مع حضور الراوية العليمة بين الرسالة والأخرى في محاولة لضبط إيقاع السرد وتوجيه دفته.

أكدت الروائية إيناس عبد الله أنها لم تكتب لقارئ متخصص ولا لجمهور متذوق، وإنما بعثت رسائل من جحيم الآخرين، كشهادات حية على ما مروا به في الأوطان المطحونة بالحرب والمنافي المشبعة بعقدة الذنب

الأوطان المطحونة
في تصريح خاص للجزيرة نت تؤكد الروائية إيناس عبد الله أنها لم تكتب لقارئ متخصص ولا لجمهور متذوق، وإنما بعثت رسائل من جحيم الآخرين، كشهادات حية على ما مروا به في الأوطان المطحونة بالحرب والمنافي المشبعة بعقدة الذنب.

وتعتقد أن روايتها تحاول استحضار أرواح من غابوا في هويات الآخرين فقست عليهم المدن وخذلتهم وشوهت فيهم روح كل ما آمنوا به يوما.

لكنها تستدرك بأنه طالما بقي الضمير والروح حييْن، يمكن ضمان الهروب الأثيري من جحيم مفترض، ليمضي الحلم بأصحابه حاملا صليبه كما في كل الأزمنة التي يقاتل فيها المرء بشراسة من أجل الكلمة ومن أجل ضحايا الجحيم على الأرض.

تلفت إيناس أن الكتابة والكتابة الروائية خاصة في أزمة وجود، لا أزمة كتابة، وأن انحسار الرغبة في القراءة جعل الكُتاب أكثر رغبة في التواجد، دون أن تساهم نصوصهم في رتق الفراغ.

وأشارت إلى أن الرواية لم تعد تمثل إلا نفسها، بسبب أن الخيال الإنساني بقي على حاله في حين تغير الواقع بشكل مشوه، وأن الأزمنة لم تعد تنتج أفكارا، بل صراعات أكثر تعقيدا لا تعطي للمشهد الأدبي أحقية السبق.

وتذكر أن هذا يعني أن الأدب يتراجع جماليا ومعنويا، لأن الخيارات المتاحة أكثر دموية وانحيازا إلى الواقع الذي يفرض نفسه بقوة مستخدما التكنولوجيا، فتتخلخل الكتابة المتغذية أصلا على الوهم الحقيقي أو الأقرب إلى الحقيقة.

تقر إيناس في تصريحها بأن موضوع الأدب أيضا لم يعد إستراتيجيا، أطاحت به القيم الاقتصادية السياسية، وأن ما كان مبهرا أدبيا قبل عقود، أصبح اليوم من المثاليات الكلاسيكية غير المبهرة، يواجه بها عالم دون مثل.

وتجد أن الرواية لا تعيش في ظل الانكماش، مثلها مثل الحياة تحتاج بقعة تحت الشمس لتنمو وتزهر، وتؤكد أن روايتها هي بقعتها المحترقة بأصوات استغاثة أكثر من كونها أصوات سرد دؤوب لقصص الحياة.

المصدر : الجزيرة