ميرفت صادق-رام الله

"ناموا ناموا ناموا وعيني ما تنام .. وعلى بير زمزم نصبوا الخيام" بهذا المقطع الغنائي كانت دلال قدسية تمرن صوتها قبل المشاركة في فقرة نشيد خاص يسميه الفلسطينيون "التحنين" وقدمتها مع فرقة أغاني الحجيج للسّيدات بمهرجان بيرزيت التراثي.

جمهور كبير من المعجبين جاؤوا لسماع الفرقة، ممن فاتهم هذا النوع من الغناء الشعبي الذي اختفى من مناطق فلسطينية كثيرة، لكن سيدات الفرقة أخذن على عاتقهن حفظه ونقله للأجيال الجديدة.

وتضم الفرقة ست سيدات وتديرها هيام أبو زهرة، وهي في نهاية العقد السابع من عمرها، تنشغل منذ عشرين عاما في مهمة حفظ التراث الفلسطيني من خلال جمعية أنشأتها لهذا الغرض في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، وفيها أسست أول فرقة نسوية "للتّحنين" لأداء أغاني وداع الحجيج.

تقول هيام أبو زهرة إن فكرة إنشاء الفرقة بادر إليها ابنها الشهيد الصحفي عماد أبو زهرة قبل وقت قصير من استشهاده عام 2002، وذلك أثناء سعيه لتأسيس جمعية تحفظ التراث الفلسطيني.

وتعنى الجمعية بتعليم الأكلات الشعبية القديمة والغناء الشعبي للشابات، كما تنظم دورات لألعاب تراثية قديمة تعلمها الناشطات تطوعا لطالبات المدارس.

ومنذ تأسيسها، نشط أعضاء الجمعية في عملية بحث وتدوين للأناشيد القديمة التي تحفظها النساء خاصة الجدات، وقمن بإعادة ترتيبها وإنشادها لوداع الحجاج.

وتتلقى الفرقة دعوات من النساء المتوجهات إلى الحج من أجل إحياء ليالي التحنين في بيوتهن، وهي تبدأ قبل أسبوع من السفر إلى الحج، حين يبدأ الحجاج باستقبال مودعيهم من أقارب وأصدقاء.

هيام أبو زهرة مؤسسة فرقة نسوية لوداع الحجيج تسعى لحفظ هذا التراث ونقله للأجيال الجديدة (الجزيرة)

مديح ووداع
وتتابع مؤسِسة الفرقة بأن لهذه العادات أهمية كبيرة في السابق إذ كانت تحفل بأناشيد حزينة جدا، نظرا للمشقة التي يلاقيها الحجيج في سفرهم الطويل والمخاوف من عدم عودتهم، ورغم تطور وسائل السفر وتيسّر ذلك فإن أغاني التحنين ما زالت ترتكز على أبيات الوداع أساسا.

وتذكر الأدبيات الفلسطينية التحنين كغناء شعبي حزين يبدأ بالمديح النبوي والشوق للديار الحجازية والكعبة المشرفة، وينتهي بأبيات الوداع.

وتتناول أناشيد التحنين كذلك وصايا للحاج والحاجة في السفر "اعملوا للحجة خبز وزعتر حتى في السفر ما تتعثر" ثم أناشيد السلام على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومدحه ومدح زواره.

تغني الفرقة في مطلع فقرتها الفنية دائما المديح النبوي مثل:
"نمدح محمد أول المبتدى.. نمدح محمد
والقاسم الأحمد والحسن والحسين.. نمدح محمد
نمدح خديجة ثاني المبتدى.. نمدح خديجة
مكة البهيجة والحسن والحسين.. مكة البهيجة".

ثم تبث المنشدات شوق الحجيج إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة، وينتقلن إلى مرحلة التوديع مثل "خذوني معاكم إن نويتوا ع السفر خذوني معاكم .. ما اقعد بلاكم ما أطيق الفراق .. ما اقعد بلاكم".

وتقول عضو الفرقة شفاء نعيرات (49 عاما) إنها انضمت لهذا الغناء التطوعي منذ 14عاما لشغفها بالمواضيع التراثية، وإنها أيضا استفادت من ذاكرة جدتها في غناء التحنين.

غناء ملتزم
وتتراوح أعمار عضوات الفرقة بين الأربعينات ونهاية الستينات، وتقول مديرة الفرقة إنهن يقدمن نشيدا دينيا ملتزما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وتقول هيام أبو زهرة -التي لا تفارقها ذكرى استشهاد بكرها قبل 14 عاما- إنها تحزن لكنها تستمتع بهذا التحنين وتفتخر بحمله كتراث لبلدها.

وتقول دلال قدسية منشدة الفرقة الرئيسية -التي أصبحت ترتدي الزي الأبيض دائما لأنها أدت فريضة الحج (كما تفعل النساء بالقرى والبلدات الفلسطينية بعد أداء الفريضة)- إنهن يلجأن أحيانا لاستخدام الطبل مع التحنين، ولكن في غالب الأحيان ينشدن بدون إيقاع.

ثم تضيف إنها تحب كل ما تنشده الفرقة لكنها تفضل المدائح النبوية بالأكثر، ثم تردد بصوت جميل وجهور مقطع "زيدوا صلاتٌه النبي صلوا عليه.. زيدوا صلاته".

المصدر : الجزيرة