هيثم حسين

يمنح الجزائري إسماعيل يبرير في روايته "مولى الحيرة" أهمية لافتة للأفكار المتصارعة التي تتناهب الإنسان، وذلك في مسار استعادته تاريخ بلده والمنطقة العربية خلال ستة عقود، من منتصف الخمسينيات حتى العام 2015، وما يكتنف هذا التاريخ الحديث من توتر وتخبط، وبحث عن الذات، وسعي إلى بلورة هوية وطنية جامعة، وكيف كان ذلك كله يغلف بحيرة متجددة، وسؤالا ينتظر إجابة شافية عنه.

يختار صاحب "وصية المعتوه" الفائزة بجائزة "الطيب صالح العالمية في الرواية" عام 2013، حيا شعبيا في مدينة الجلفة جنوبي العاصمة الجزائر، ليكون فضاء مكانيا لأحداث روايته، يجمع أبطاله وشخصياته هناك، يطلق أفكارهم ورؤاهم عن تاريخهم وواقعهم وأحلامهم ومآسيهم لتكون صورة عن أفكار إخوتهم في شتى بقاع العالم العربي، وكأنهم عينة من عينات الخيبة والانكسار والحيرة نفسها.

مكاشفة وخيبة
يستعيد يبرير في روايته (مسكيلياني، تونس 2016) حكايات من واقع بلده وثورة استقلاله الشهيرة ضد المستعمر الفرنسي، وتظل حيرة بطله الشاعر الحكاء "بشير الديلي" خير مثال عن الضياع الذي تعرض له الإنسان العربي بين مرحلتي الاستعمار والاستقلال.

فالديلي ابن شهيد لا يعرف قبر والده المجهول، يظل يحلم بكتابة قصيدته-حكايته المنشودة، ينتمي إلى اليسار فترة ثم يكتشف خيبته وتزداد من بعدها حيرته، يفقد بوصلته نحو ماضيه ومستقبله، فلا يستدل إلى قبر أبيه، كما لا يستطيع الاعتناء بابنه "مينا" كما يجب، فيكون ابنا لأب غائب مستحضر، وأبا غائبا لابن موجود يتجاهل حضوره زمنا.

يتقاطع هَم أبناء "الجلفة" وأساهم مع هموم الآخرين الذين حلموا -بعد التخلص من الاستعمار- ببناء دول حديثة، وبناء إنسان حداثي واثق من نفسه واستقلاله، يسعى لتكريس استقلال بلده وبنائه، لكن الفجيعة التي أنتجت سلسلة من الصدمات المتتالية اللاحقة تمثلت في الاعتراف الجلي بفشل الأنظمة -التي يفترض أنها وطنية- في بلورة أحلام الناس الذين ضحوا بالكثير من أجل رؤية بلدانهم حرة مستقلة.

يحضر مسعى مؤلف "ملائكة لافران" لتحويل روايته التي يلجأ إلى الترميز في جوانب منها، إلى مكاشفة لتاريخ الدولة الوطنية في الجزائر، ومحاولة الكشف عما تحمله الحكايات من تفاصيل حياتية وتاريخية وواقعية تتقاطع لتشكيل صورة البلد وحياة أبنائه.

يبرير أراد أن يكتب الإنسان العربي الذي يراه مهلهل الوجود (الجزيرة نت)

ولعل بالإمكان توصيفها بأنها رواية البحث عن المعاني المفقودة، عن القيم الإنسانية والجمالية المأمولة، عن الوطن الذي يستحق تضحيات الملايين من أبنائه من أجل استقلاله، لا ذاك الذي يدفعهم إلى الاغتراب عن أنفسهم ومحيطهم، وذلك من خلال نسج حكايات حب يتقاطع فيها مختلف تفاصيل الواقع من سياسة وأدب وشعر وتآمر وتواطؤ وتضحية ووهم.

ربما يلاحظ القارئ جانبا من استعانة الروائي بكثير من الإشارات والهوامش والاستشهادات الشعرية التي تحضر في عدد من صفحات الرواية، وهذا ما قد يثقل على القارئ أحيانا، ويشتت تركيزه عن السرد وسير الأحداث، ويكون بمثابة وقفات إجبارية له للتنقل بين المتن والهوامش التي تشرح نقاطا يوردها بمزيد من التفصيل أو التوضيح.

ضد الزيف
في تصريح خاص للجزيرة نت، يلفت الروائي إسماعيل يبرير أنه أراد في "مولى الحيرة" أن يكتب الإنسان، وينوه إلى إشاراته المتكررة إلى أن الإنسان العربي مهلهل الوجود، كلما اكتمل كموجود جاء ما يعصف به، وأنه عادة مستسلم ليقينيات يهدمها طفل بسؤاله، لهذا فإن رهانه كان مزدوجا على المكان والإنسان معا، فالرواية بوصفها جنسا أدبيا -في العالم- تعالج الإنسان، وهو ما قد يحولها إلى مجرد محاكاة في وضعنا.

يصف يبرير روايته بأنها ستة عقود من الزمن الجزائري، وهو زمن يتقاطع مع الكثير من الفضاءات الأخرى، رصد من خلال حي شعبي، حكاية شاعر لم يكتب قصيدته، يساري لم يعد ينتمي لأي جهة، ووطن في صورة الحي الذي تغير أكثر من مرة، بالإضافة إلى تفاصيل الموت المجاني والقتل والعذابات والفساد والإقصاء التي كابدتها الشخصيات على اعتبار أنهم يعيشون الزمن الجزائري.

بالإشارة إلى اشتغاله الفني في عمله يذكر يبرير أنه لم يستعد للبناء جيدا، لكنه عالجه بمقتضيات النص، لهذا فهو معد لقراء من مستويات تلقٍّ مختلفة، ويعتقد أن من قرأها يعرف أنها تقرأ على مراحل عبر تقسيمها، وليست الحكاية الرهان الوحيد، فهناك الوضع الذي يسود أغلب الدول العربية، الأسئلة السياسية التي تطل في كل مشهد، هناك البحث المكثف عن سبب للبقاء، عن الإنسان بداخلنا، عن سبب للخيانة والغدر، عن أسباب للحب؟

كما يلفت إلى وجود فوارق كبيرة في بناء الشخصيات، وأنه تعمد أن يحرس تلك الفوارق، لكنهم رغم ذلك يمضون جميعا نحو الحيرة، وتراه يعبر عن رغبته القوية في أنه أراد كتابة رواية ضد الزيف، أن يكتب رواية لا عالمية ولا متفوقة ولا مختلفة، تشبه الجزائري مكانا وإنسانا وزمانا.

المصدر : الجزيرة