الخير شوار-الجزائر
 
يلجأ الجزائري سمير قسيمي في عمله الروائي الجديد "كتاب الماشاء" إلى تقنيات سردية متعددة لإعادة كتابة بعض من التاريخ الجزائري الهامشي، مستخدما تارة شخصيات حقيقية وأخرى تبدو غير ذلك، ليزول الخط الفاصل بين الحقيقي والتخييلي، في لعبة سردية انتصرت للهامش على حساب المركز.
 
وتبدو رواية "كتاب الماشاء" -الصادرة مؤخرا عن دار المدى في العراق في 232 صفحة من القطع المتوسط- تكملة لرواية سابقة للمؤلف نفسه بعنوان "هلابيل" التي صدرت منذ سنوات عديدة. غير أن العمل الجديد يمكن أن يُقرأ مستقلا عن الأول، مثلما يمكن أن يقرأ تتمة له، إذ إن العنوان الشارح للعمل الجديد جاء في صيغة "هلابيل.. النسخة الأخيرة".
 
وتبدأ لعبة السرد في هذا العمل من عام 2004، عندما قال السارد إن شخصا اسمه "جوليان هاد" كُلّف برقمنة أرشيف أشهر مجلة فرنسية كانت تُعنى بالبحوث المتعلقة بالثقافات الجزائرية والدول المجاورة لها واسمها "المجلة الأفريقية".

وعند نشر المادة على الشبكة العنكبوتية ابتداء من عام 2010 لاحظ الباحث أن المجلد الحادي عشر كان غائبا أو مغيّبا، ومن هنا كانت بداية السرد لنحصل على تفاصيل ذلك التاريخ المنسي.

وانطلاقا من شخصيات تبدو حقيقية، نعرف بعضا من تاريخ الاحتلال الفرنسي في الجزائر، مثل مجزرة "العوفية"، التي حدثت بالفعل عام 1832، حيث أًبيدت قبيلة بكاملها بأمر من السفاح الفرنسي دو روفيغو.

ونقرأ ذلك الحدث وغيره في العمل السردي من زوايا مختلفة مع شخصيات حقيقية وأخرى تبدو من خيال المؤلف، الذي أراد أن يروي تلك الحادثة التاريخية وغيرها على طريقته الخاصة.

مخلوف عامر: كنتُ أفضّل لو أن قسيمي لم يُثقل النص بالأحداث في روايته الجديدة (الجزيرة)

الإغراء بالتاريخ
ويبدو سمير قسيمي مختلفا عن نفسه من نص إلى آخر، وحتى هذا العمل الجديد الذي وإن بدأه وأنهاه بشكل غرائبي، فإن المتن ابتعد عن ذلك كثيرا واستخدم فيه عدة تقنيات لعل أبرزها تقنية التقصي "البوليسي" بحثا عن حل لألغاز وسدا لفراغات.

وعن هذا العمل الجديد، يقول أستاذ النقد بجامعة سعيدة الدكتور مخلوف عامر في حديثه للجزيرة نت إن قسيمي "لديه هذه القدرة على تقمّص الشخصية، فينقلك من أجواء التصوف إلى وقائع من تاريخ الوطن، ويمنح الوثيقة سرا مُلغزا يغري بالبحث لمراجعة التاريخ".

ويؤكد عامر أن النص جاء مليئا "بالإشارات الفلسفية المتعلقة بالوجود الإنساني وبالحياة، يصوغها بمفردات نعرفها، لكنه يقدمها في صياغة تبدو غير مألوفة".

ويؤكد الأكاديمي الجزائري أنه كان يفضّل لو أن قسيمي "لم يُثقل النص بالأحداث ليمنحه ما عهدناه في كتاباته من حيل تخييلية وأبعاد رومانسية مشوِّقة".

سمير قسيمي: "هلابيل" أصبحت مجرد وثيقة تُقرأ في "كتاب الماشاء" (الجزيرة)

قلق التجربة
ويحاول قسيمي "تبرير" لجوئه إلى كتابة نسخة أخرى من روايته السابقة "هلابيل"، ويقول في تصريح للجزيرة نت "لاحظت أن القصة فيها فراغات كثيرة، وأن الكثير من القرّاء لم يستوعبوا التقنية المتبعة فيها، فالفراغات لم تساعدهم في قراءة الرواية بشكل جيد".

ولعل هذا هو السبب الذي جعله يكتب "كتاب الماشاء" بشكل مختلف من خلال استعمال "تقنية شبه بوليسية" وفي أجواء مختلفة عن الأولى، وحيث أصبحت "هلابيل" مجرد وثيقة تُقرأ في "كتاب الماشاء".

ويؤكد قسيمي أنه جعل بطلة العمل السابق "نوى" تنتقل للعيش في فرنسا ليجعل من الأمر سببا كافيا لإقناع القارئ بالاطلاع على الأرشيف الفرنسي، فتكون القصة قد اكتملت عند هذا الحد وبالتالي كون هذه هي النسخة الأخيرة من "هلابيل"، على حد قوله.

ويبدو سمير قسيمي قلقا في تجربته الروائية المتراكمة منذ نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي، فنصوصه المتتابعة بدءا من "تصريح بالضياع" مرورا بـ"يوم رائع للموت" و"هلابيل" و"في عشق امرأة عاقر" و"الحلم" وصولا إلى "كتاب الماشاء"، لا تستقر على شكل معين كأن كاتبها "مفرد بصيغة الجمع" وفق تعبير أدونيس.

المصدر : الجزيرة