منذ روايتها الأولى "عازف البيانو الأفغاني"، التي كتبتها باللغة الفرنسية، حققت الكاتبة الأفغانية الشابة شبنم زرياب شهرة في الساحة الأدبية الفرنسية عبر حصدها ثلاث جوائز أدبية.

ولا شك أن الرقة والنضارة المستشعرتين في السرد، والنظرة البصيرة التي تلقيها شبنم على وطنها وأبنائه، تفسّر نجاح هذه الرواية التي نفدت طبعتها الأولى بسرعة ملفتة، وصدرت طبعتها الثانية حديثاً عن دار "لوب".

تنطلق أحداث الرواية في ثمانينيات القرن الماضي، خلال احتلال الجيش السوفياتي أفغانستان، حيث تعيش الراوية وهي طفلة أفغانية في سن السادسة تدعى ليلى، وتجهل اختبار والدها السجن بسبب مواقفه السياسية، وبالتالي غاية النقاشات الحامية مع زوّاره التي تمتد حتى وقت متأخّر من الليل.

ولأنها بريئة، نجدها لا تفهم لماذا لا يشاركها والداها وأختها إعجابها بهؤلاء "الجنود الجميلين" الذين تراهم وهي في طريقها إلى المدرسة على الحواجز العسكرية، تحت علمهم الأحمر.

تغذّي ليلي حلمين: الزواج من رفيقها ميلاد، الذي يجيد العزف على البيانو، بعدما أنقذ يوماً حياتها خلال القصف الذي تعرّضت له مدرستهما، وإطلاق سرب من الحمام خلال العيد الوطني، منذ أن اختارتها مدرّستها للقيام بهذه المهمة.

ولذلك نراها حزينة جداً حين يقرر والدها إبعاد عائلته عن جحيم أفغانستان إلى فرنسا. ولتلطيف مشاعرها، تقول لها أمها إن هذا السفر ليس سوى عطلة مؤقّتة. لكن فور وصولهم إلى مدينة مونبولييه، تتحوّل العطلة إلى إقامة دائمة وكابوسية تختبر الراوية الطفلة خلالها شعور الغربة وصعوبات التأقلم في بلد لا تتقن لغته ولا تملك فيه صديقة واحدة.

ومع مرور الزمن، تكبر ليلى فتنسى قليلاً وطنها ومعه لغتها الأم، وتنجح في نسج بعض العلاقات، وفي نيل شهادة البكالوريا، إلى أن تشاهد يوماً على شاشة التلفاز حادث تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فتستعيد ذكريات طفولتها ومعها مشاعرها تجاه الطفل ميلاد ووعدهما البريء بتمضية العمر سوية، فتقرر الرجوع إلى أفغانستان لمعرفة أخباره.

ولا عجب في اختبار ليلى تمزّقاً جديداً لدى عودتها، فبسبب الحروب التي شهدها وطنها أثناء غيابها، لن تتمكن من التعرّف إليه، بل ستجد شوارع مقفرة ونساء موشّحة بالسواد ومساكن مدمّرة ومناخاً كابوسياً.

ومع أنها ستعرف من أبيها أن ميلاد -بعد اغتيال والده- انتقل للعيش مع أعمامه في مدينة أخرى، فإن ذلك لم يثنها عن البحث عنه، بحثٌ لن تلبث نتيجته أن تسحقها.

الروائية شبنم زرياب (الجزيرة نت)

قيمة هذه الرواية تكمن أولاً في تلك الحساسية الشديدة والعفّة اللتين تميّزان سردها، خاصة في النصف الأول منها حيث تتمكن الكاتبة من الانزلاق تحت جلد طفلة وسرد أحداث قصّتها، وأيضاً ما يجري في بلدها، من وجهة نظر طفولية بريئة.

تكمن أيضاً في تمكّن شبنم من تطوير خطاب سرديتها وأسلوبها تدريجياً، وبخفّة، مع تقدّم الطفلة/الراوية في السن وتنامي بصيرتها، وإيصال صوت شابة جريئة مستعدّة لأي شيء من أجل المحافظة على بريق حلم طفولي وذكريات لن يلبث الواقع أن يمزّقها في الصفحات الأخيرة من الرواية.

وفي هذا السياق، تشدّنا طريقة وصفها الطريفة للجهد الذي ستبذله الأم لحماية ليلى وأختها من الخوف وعنف الحرب، عبر سردها حكايات خارقة لهنّ أو عبر إلهائهن بالرسوم المتحركة، أو من خلال تجنيد الأب لإحياء عروض من خيال الظل بأصابعه حين تكون الكهرباء مقطوعة، أي في معظم الأحيان.

يشدّنا أيضاً وصف الكاتبة الهوة التي ستتسع تدريجياً بين ليلى ووالدها بسبب نسيانها لغتها الأم مع مرور الزمن وابتعادها عن محيطها الأول، ثم مقارنتها بين حياة النساء في كابول اليوم وحياتهن قبل الحرب.

وإذ نأسف لضعف المحرّكات السردية لدى تناول شبنم حياة ليلى في فرنسا خلال سن المراهقة، نتأثّر على طول الرواية بالطريقة الحاذقة التي تروي فيها وطنها بعيداً عن الصور المطروقة والقوالب الجاهزة، مبيّنةً الوضع المعقّد لبلدٍ لم يعرف استقراراً حقيقياً منذ عشرات السنين.

ورغم عمق التأمّل الذي تقوده الكاتبة في موضوعي الهوية والاقتلاع من الوطن الأم، من خلال قصة طفلة لن تلبث أن تشعر بغربة حيثما حلّت، بسبب مسارها، إلا أن نصّها لا يخلو من طرافة تعزز من وقع كلماتها الصائبة، ويتجلى فيها كل البعد الإنساني لمحنة أفغانستان اليوم.

المصدر : الجزيرة