تبدأ الحكاية المؤلمة التي تنهل من عمق واقع اجتماعي مترد في تونس مع انطلاق أولى الفصول في استرجاع محطات حياة تعيسة لامرأة كانت تعيش في عائلة كثيرة العدد وتعمل بأحد مصبات الفضلات في حي شعبي غارق في الفقر.

خميس بن بريك- تونس

تسرد الكاتبة التونسية شادية القاسمي في روايتها الأولى "المصب" -الحائزة على الجائزة التقديرية لمهرجان كومار الأدبي- هموم الواقع التونسي، راصدة جانبا قاسيا من الحياة الاجتماعية لمهمشين غارقين في الفضلات والفقر والممنوعات.

وفي إبداع حكائي يجعل القارئ مشدودا لمتابعة رحلة سردية مشوقة رغم أنها حبلى بالوجع تغوص الكاتبة في أعماق الفئات المهمشة محاولة الكشف عن علاقاتها وهمومها وإبراز تناقضاتها واصطداماتها مع واقع مليء بالفقر والتسلط والظلم والقهر.

تبدأ الحكاية المؤلمة التي تنهل من عمق واقع اجتماعي مترد في تونس مع انطلاق الفصل الأول من الرواية بعنوان "وصول" نحو استرجاع محطات حياة تعيسة لامرأة كانت تعيش في عائلة كثيرة العدد وتعمل بأحد مصبات الفضلات في حي شعبي غارق في الفقر.

 شادية القاسمي: الرواية تظهر عالما منسيا أمام واجهات الحياة الفخمة (الجزيرة)

عالم منسي
وعبر خطاب استرجاعي للساردة يتعرف القارئ ملامح شخصية عائدة من إيطاليا مع زوجها وابنها إلى تونس مكبلة بهموم قديمة لتلاقي أمها وأخاها الصغير بعد فقدان والدها وأربعة من إخوتها في حوادث مأساوية مرتبطة بالصراع على القوت.

تقول الكاتبة شادية القاسمي للجزيرة نت إنها اعتمدت بناء دائريا ينطلق من وصول الشخصية المركزية من إيطاليا بعد هجرة سنتين ليبدأ الاسترجاع الذي ينتهي بحدث رحيلها، وهو ما يجعل القارئ يدرك أن "الرواية انطلقت من حيث كان يجب أن تنتهي".

وعلى مدى 240 صفحة في 54 فصلا معنونا بالحدث المسيطر لم تخضع الأحداث لسيرورة خطية بل كانت أشبه بقطع "بازل" مبعثرة يحاول القارئ جمعها وترتيبها ترتيبا منطقيا لتتشكل لديه صورة مكتملة عن الحكاية.

ولفهم ما حصل للساردة منذ طفولتها حتى عودتها من إيطاليا تقول الكاتبة إن "ترتيب الأحداث يجعل التئام شظايا الفصول حتميا لفهم ما حصل من أحداث كانت تعود حينا إلى أحداث قريبة زمنيا وأخرى تعود إلى زمن بعيد".

وهذا الفهم يتكون لدى القارئ في خضم رحلة ممتعة بين المعاني والكلمات التي تأخذه إلى عالم روائي يحاكي واقعا مريرا عاشته البطلة التي كانت تبحث عن لقمة العيش لعائلتها مما تجود به بقايا مصب الفضلات من أشياء يمكن بيعها.

وتقول الكاتبة إن "المصب عالم كبير، لكنه منسي أمام واجهات الحياة الفخمة أو حتى المتوسطة، وهو عالم مليء بالمعاناة الجسدية والنفسية، عالم المدحورين الذين لم يشملهم كرم الحياة وسخاء الوجود".

ويفسح المكان المجال للكشف عن عديد القضايا المعلنة، كالبطالة والانتحار والانقطاع عن التعليم وهجرة قوارب الموت وأطفال الشوارع، والمسكوت عنها كالزواج القسري والاغتصاب الجماعي ولغز "القناصة" الذين قتلوا متظاهرين إبان الثورة التونسية.

يرى الناقد رياض خليف أن رواية "المصب" تمعن في كتابة واقعية سوداء تغوص بأعماق الفئات الاجتماعية وتحاول تبني قضاياها وتناقضاتها وتصادمها مع الواقع "وهو ما نجده في شخصيات هذه الرواية المعدمة والفقيرة والتائهة في الحياة

فوضى الهامش
وقد مثلت الفوضى التي عاشتها البطلة الرئيسية على المستوى النفسي والاجتماعي مصبا في حد ذاته جعلها تتشبع بأدران الحياة من حولها كالخيانة والعنف والاغتصاب والتسلط.

ففي القصة تتزوج البطلة غصبا من مدمن خمر كانت نهايته القتل على يد زوجة أخيه "حنان" التي كانت تربطه بها علاقة محرمة قبل أن تنتحر في السجن، إضافة إلى حياة شقيقة البطلة التي انتحرت بعد تعرضها لاغتصاب جماعي وبقية إخوتها الذين خطفهم الموت في صراعهم على لقمة العيش.

وسعت الكاتبة -التي طبعت روايتها بهذه المسحة المأساوية وهندست زواياها بحروف تقطر وجعا- إلى لفت الانتباه إلى أسباب هذه المعضلات الاجتماعية التي تزيد من حالة انحدار المجتمع.

ويرى الناقد رياض خليف أن رواية "المصب" تمعن في كتابة واقعية سوداء تغوص بأعماق الفئات الاجتماعية وتحاول تبني قضاياها وتناقضاتها وتصادمها مع الواقع "وهو ما نجده في شخصيات هذه الرواية المعدمة والفقيرة والتائهة في الحياة".

ويصنف الناقد هذا النوع من الأدب في خانة ما يعرف بكتابة الهامش قائلا "لعل الرواية التي نتناولها في هذا النص تشكل واحدة من الروايات التي يمكن تصنيفها ضمن هذا التوجه السردي والروائي، فهي رواية تحاول كتابة الهامش الاجتماعي وتتخذ من عوالم المهمشين متخيلا".

المصدر : الجزيرة