حاوره/ جورج كدر-كولن

المستشرق الألماني الشهير شتيفان فايدنر أحد الأسماء الألمانية التي تعتبر جسرا لربط الثقافات بين أوروبا والعالم العربي، ويلقب "طائر المحبة" حيث ينتقي في ترجماته الجميل من الثقافة العربية والإسلامية.

يشغل فايدنر منصب رئيس تحرير مجلة نصف سنوية تسمى "فكر وفن" تعنى منذ تأسيسها عام 1963 بتعريف القارئ الألماني بالثقافة العربية وتقريب الثقافة الألمانية من القارئ العربي لإثراء الحوار بين الطرفين.

في عام 2013، أصدر فايدنر العديد من الكتب حول الإسلاموفوبيا، منها كتاب "ثورة العقل.. مناقشات حول الإسلام والعالم الإسلامي"، يرصد فيه عصر التحولات العميقة في العالم الإسلامي بين أحداث 11 سبتمر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة وربيع "الثورات العربية" عام 2011.

ويتحدث المستشرق الألماني في حواره مع الجزيرة نت عن قضايا معاصرة تتعلق بالعلاقة بين ألمانيا والمسلمين، في ضوء أزمات اللجوء والتطرف والهجمات التي تتعرض لها أوروبا ويتبناها تنظيم الدولة الإسلامية.

 كنت تعتقد قبل سنوات أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تتلاشى في ألمانيا، وكان لك مبرراتك حينها، لكن ما يجري اليوم ينسف رؤيتك تلك ويشي بأن هذه الظاهرة تتنامى بأسرع مما يظن الكثيرون، فما هو مرد ذلك برأيك؟

- لقد كان هناك دائما مستوى ثابت من كره الإسلام في ألمانيا حتى قبل أحداث 11 سبتمبر، ولكنه لم يكن ينمو حقا. وحتى بعد تلك الأحداث، كان خوف ألمانيا من الإسلام لفترة طويلة مجردا وليس فكريا، ولم يكن ذلك ليؤثر على الانتخابات على سبيل المثال.

من ناحية أخرى، كان هذا وضعا خطيرا لأن الجميع -وربما أنا أيضا- استخففنا به، لأنه وبشكل مفاجئ أصبحت كتب الإسلاموفوبيا أكثر الكتب مبيعا مثل "ألمانيا تلغي نفسها"، وأدى ذلك إلى قتل الأبرياء من قبل عصابة النازيين الجدد، كما قتلت مواطنة ألمانية هي مروة الشربيني في محكمة دريسدن الألمانية -بسبب ارتدائها الحجاب- عام 2009.

مع توافد اللاجئين والأحداث التي وقعت في مدينة كولونيا، يظهر الخوف من الإسلام مدعوما ومبررا بالحقائق ويكسب زخما جديدا، وتستثمر هذه الوقائع سياسيا

مع الثورات العربية تضاءلت هذه الحركة المعادية للمسلمين مرة أخرى، لكنها عادت للظهور عندما أنتجت الثورات في الانتخابات الحركات الإسلامية وأدخلت البلدان العربية في أعمال عنف جديدة.

أما الآن، فمع وجود اللاجئين والأحداث التي وقعت في مدينة كولونيا، يظهر الخوف من الإسلام مدعوما ومبررا بالحقائق ويكسب زخما جديدا، وتستثمر هذه الوقائع سياسيا من الحزب اليميني الذي أنشئ حديثا وهو "حزب بديل لألمانيا"، ولكن إذا نظرنا إلى الوراء أود أن أقول إن كل هذه العنصرية المعادية للمسلمين كانت موجودة طوال الوقت، ولكن لم نر ذلك لأننا لا نريد أن نراه، ولأننا كنا نأمل أن الأمر لا يحظى بأهمية كبيرة.

 نشهد اليوم تحولات دراماتيكية يعيشها العالمان العربي والإسلامي، ولكن قليلين يلاحظون أن أوروبا تتأثر أكثر من أي قارة أخرى بهذه التحولات، والدليل هو ما تشهده القارة العجوز من تحول عميق في بنيتها الاقتصادية والقانونية. ما أبرز ملامح تلك التحولات التي تشهدها أوروبا متأثرة بالتحولات في العالم الإسلامي؟

- أكبر تأثير للأزمات في العالم العربي والإسلامي هو بالتأكيد أزمة اللاجئين. بالطبع لدينا الأزمات الاقتصادية في بلدان كثيرة جدا، ولكن هذا ليس بسبب ما يحدث في العالم العربي، فهذا شيء محلي صنعته أوروبا نفسها.

أما بالنسبة لأزمة اللاجئين، فإن المشكلة ليست في أعداد اللاجئين، بل في أن أوروبا غير مستعدة ولا تريد أن تكون مستعدة للقبول والترحيب بالكثير من الأجانب. المشكلة ليست حقيقية، بل في عقول الناس والسياسيين.. بالطبع ليس كل الناس، وليس كل السياسيين، ولكن هذا حدث بقدر يكفي لخلق المشاكل.

والسبب العميق لهذا أن أوروبا وعدت أعضاءها -وخاصة الأعضاء الجدد- بمستقبل مشرق.. الآن كثير من الناس يشعرون بالخيانة إذ لم يأت مستقبل مشرق، بل يأتي فقط أشخاص آخرون، أولئك الذين هم أكثر فقرا. ويخاف الناس في أوروبا الآن ليس فقط من أنهم لن يصبحوا أكثر ثراء، ولكنهم قد يصبحون أكثر فقرا لأن عليهم تقاسم ما لديهم مع اللاجئين.

 كيف يمكن تجنب هذا المصير المأساوي للعلاقة بين الإسلام والغرب؟

- الطريف في كل هذا أنه في أحيان كثيرة تعتبر القضية المشكلة هي الحل نفسه في الوقت ذاته.. هذا يبدو متناقضا، ولكن الحل لأزمة اللاجئين هم اللاجئون أنفسهم، لأن وجودهم سيكون شيئا طبيعيا بعد بضع سنوات، ولن نعرف حينها من الذي كان لاجئا يوما ما ومن الذي ولد هنا.

ما حل العنصرية المعادية للإسلام في بريطانيا ضد الباكستانيين؟ إنهم الباكستانيون! من الطعام الباكستاني الجيد والكتّاب الباكستانيين الجيدين، والآن حتى العمدة من أصل باكستاني

خذ لندن على سبيل المثال.. ما الحل للعنصرية المعادية للإسلام في بريطانيا ضد الباكستانيين؟ إنهم الباكستانيون! من الطعام الباكستاني الجيد والكتّاب الباكستانيين الجيدين، والآن حتى العمدة من أصل باكستاني.. بالطبع كل هذا سيستغرق بعض الوقت وليس من دون صراعات، ولكنه أمر طبيعي أن تكون هناك صراعات.. نحن لسنا بحاجة إلى الخوف من المشاكل، ولكن يبدو أن كثيرا من الناس لا يرون الفرص والتحديات.. إنهم يخافون فقط.

 وأي مستقبل تراه في علاقة أوروبا بالمسلمين الذين يزداد عددهم فيها؟ وهل ظاهرة حوار الثقافات ستتحول حقا إلى "صدام الحضارات" في عقر القارة الأوروبية؟

- أعتقد أن أوروبا هي موطن، وستكون كذلك للمسلمين كما كانت العديد من الدول العربية ولا تزال موطن العديد من المسيحيين. في الواقع، كانت أوروبا دائما موطن المسلمين، من الأندلس إلى صقلية إلى البلقان، وإسطنبول مدينة أوروبية.

في الواقع كما أعتقد، سيأتي وقت سيشعر فيه المسلمون والعرب أن أوروبا وطنهم أكثر بكثير مما شعروا بذلك في العالم العربي.. إذا كان الوضع السياسي والاقتصادي في العالم العربي سيستمر على ما هو عليه الآن، فإن تلك الدول لن تكون سوى خزان بشري لأوروبا، وهذا هو بالضبط سبب عدم حدوث تصادم لأننا لا نجلس في سيارتين ونقود في الاتجاه المعاكس، ولكننا نجلس في نفس السيارة.. سيارة اسمها أوروبا.

ثم لماذا -في اعتقادنا- يريد العرب المجيء إلى أوروبا؟ بالتأكيد ليس لإعادة إنتاج ذات المشاكل التي لديهم في بلدانهم، فإذا كان السوريون يريدون بشار الأسد أو تنظيم الدولة الإسلامية فإنهم سيبقون في سوريا، أما إذا أتوا إلى أوروبا فمعنى هذا أنهم يريدون شيئا آخر.

 ما الجوانب التي ستتطرق إليها مستقبلا في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط والتي نجد انعكاساتها واضحة على أوروبا؟

العرب أكثر من مجرد هذا الحاضر الكارثي.. لديهم ماض مجيد، لديهم الثقافة وكبار الشعراء والمفكرون العظماء، هذا هو ما أريد أن أثبته للجمهور الألماني

- لمدة عشرين عاما على الأقل، لدينا في أوروبا ذات السجالات حول الإسلام والاندماج، تزيد حدتها أو تنقص، وهكذا دواليك.. قبل عشرين عاما بدت كل تلك المناقشات مجردة وفكرية، والآن المناقشات على هذا النحو هي نفسها، وذلك بالنسبة لي -على الأقل- مضيعة للوقت.

أنا لا أريد أن أكرر نفسي وأقول دائما نفس الأشياء حتى بقية حياتي.. وسائل الإعلام والجمهور هي مثل الطفل الذي نسي كل ما قد تعلمه قبل يوم واحد بين عشية وضحاها.. أريد أن أفعل شيئا أفضل.. أريد ترجمة الأدب العربي أكثر.. الأدب القديم، خصوصا الكلاسيكيات لأكثر من 150 عاما، فلا أحد يترجم الأدب العربي الكلاسيكي.. هناك العديد من المترجمين الآن ولكن فقط للأدب الحديث.. ما الانطباع الذي يحصل عليه القارئ الألماني عندما يقرأ فقط الروايات العربية الحديثة، حتى لو كانت روايات جيدة جدا؟ حسنا، سيجد هناك ذات المشاكل التي يراها على شاشة التلفزيون.

ولكن العرب أكثر من مجرد هذا الحاضر الكارثي.. لديهم ماض مجيد، لديهم الثقافة وكبار الشعراء والمفكرون العظماء.. هذا ما أريد أن أثبته للجمهور الألماني، إذا سمح الوقت وإذا كان هناك بعض التمويل.

المصدر : الجزيرة