الخير شوار-الجزائر

تستعير الجزائرية حفيظة طعّام في مجموعتها القصصية "من مذكرات غرفتي" لسان وأسلوب شهرزاد لتسرد حكايات الحروب والموت واللجوء انطلاقا من غرفتها، وتعيد كتابة تاريخ معاصر غارق في الدماء، بلسان يبدو ساذجا، لكنه عميق مثل الحكايات الشعبية التي تغذي خيال الأجيال.

وصدرت "من مذكرات غرفتي" عن "دار الكلمة" بالجزائر في 96 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 31 نصا بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، ويمكن أن نقرأ مضامينها من خلال عناوينها مثل "ابتسامة على شفة المعاناة" و"الموت يبدأ من هنا"، و"ذكريات في المزاد" وغيرها.

ويبدو الهمّ القومي واضحا في النص الذي يحمل عنوان "عروبة شمطاء"، حيث تصف حال مدينة عربية، قائلة إن "المدينة تنام خائرة القوى في عتمة الليل، ينتهكها نباح ألف كلب ضال، نائمة في سبات عميق، مغمضة الشوارع".

ورغم أن اسم المدينة في القصة يبقى مجهولا، فإن الوصف ينطبق على كثير من المدن العربية المعاصرة، وقد أنهكتها الحروب والفتن.

وتبلغ المأساة مداها عندما يصبح الدم بديلا عن الماء في القصة التي تحمل عنوان "الموت يبدأ من هنا"، التي يبدو فيها الهم العربي واضحا أيضا، وقد أصبح اللجوء عنوانه الأبرز، وفيها يقول أحدهم "أنا عطشان"، فيرد الموت "لا نملك ماء"، وتتطاير أحداق الدم وشظايا الزجاج.

عامر: الغرفة بالنسبة للقاصة ما هي إلا معادل لذاكرة أثقلتها الوحدة (الجزيرة)

لسان شهرزاد
تبتعد حفيظة طعّام في هذه النصوص عن لغة الغموض وتقترب أكثر من روح الحكاية البسيطة، كأنها استعارت لسان شهرزاد في "الليالي العربية"، وبعيدا عن سلطة شهريار، تستعيد ذكريات تتقاطع وتتشابك لتشكّل في النهاية حكايات عن عالم جديد أنهكته المحن، وتؤرّخ بطريقتها الخاصة لما حدث، كأنها تختصر كل شيء انطلاقا من غرفتها الصغيرة.

هي الغرفة التي تشكّل بؤرة السرد كله، وما هي وفق الدكتور مخلوف عامر -أستاذ النقد بجامعة سعيدة بالغرب الجزائري- "إلا معادل لذاكرة أثقلتها الوحدة، فلا تجد غير الكتابة ملاذا، بل منفذاً منه تخرق جدران الغرفة الصمّاء لتلامس واقعاً موبوءاً".

وبالنسبة لعامر، فإن القاصة ترصد نماذج من البشر صغارا وكبارا ينتمون إلى طوابير البؤساء، والكبار منهم يمارسون ألوانا من النفاق، ويتنكَّرون لبراءة الطفولة وإنسانية الإنسان، على حد وصفه.

ويرى مخلوف أن هذه التجربة القصصية بقدر ما تغوص في عالم الذكريات فإنها تلتقط لحظات من الحياة تأتي على قدر ما تسمح به القصة القصيرة، وبأن تختار من الألفاظ بحسب الحاجة في صيغ ترتقي من المألوف إلى الإنشاء الجميل".

وفي قراءته لهذه النصوص السردية يؤكد مخلوف أن صاحبتها كتبتها بنبرة "حزينة ناقمة، متشبِّثة بالذي يأتي ولا يأتي".

حفيظة طعّام تبتعد في هذه النصوص عن لغة الغموض وتقترب أكثر من روح الحكاية البسيطة

كلمات داكنة
وتبدو الكاتبة حفيظة طعام مدافعة عن نظرتها المتشائمة المليئة بألوان البؤس والحروب والتشرد.

وتقول في تصريحها للجزيرة نت بنبرة متسائلة "كيف نرسم الفرح بألوان الكلمات، وسماؤنا ملبدة بغيوم قاتمة، وأرضنا ملطخة بدماء البراءة؟ في ظل هذه الظروف كيف يمكن لي أن أبني عالما إبداعيا يخترق هذه المأساوية؟ كيف أخلق شخصيات ضاحكة سعيدة؟"

وتضيف صاحبة "ما الذي سأفعله بعدك" أن الناس يعيشون الآن في عالم مشتعل، تحول إلى تنور وحلبة صراعات وحروب، "حيث الموت في كل اتجاه يحاصر كل الأماكن، وأنت تمشي في أحد شوارع مدينتك فلا تتفاجأ إن تعثرت بجثة طفلة عربية، وقد تصاب في جسدك فتسقط وأنت تجهل السبب".

وترى القاصة الجزائرية أن الخراب كامن في النفوس وفي الأمكنة، "وحمامة السلام مهيضة الجناح، مكسورة القدم، ودم غطى ريشها الذي كان ناصعا ذات حضارة وعزة، تشتت العرب وتناثر عقدهم فاستبيحت حرماتهم، وتشرد أطفالهم، السلم تحول إلى شعار قديم انتهت صلاحيته".

ورغم نظرتها المتشائمة فإنها تتشبث ببصيص من الأمل من أجل صناعة "العالم المتخيّل المنشود"- على حد تعبيرها- رغم أنه لا أثر لهذا التفاؤل في قصصها التي كثيرا ما تختمها مثل بدايتها بعبارات من قبيل: "ولدت تعاستي بميلاد حقيقتي"، و"مدينتي مدينة البدايات الثملة، والنهايات المفجعة".

المصدر : الجزيرة