محمد كناص-إدلب

صعق الشاب الثلاثيني مروان عندما وجد نفسه في غرفة التحقيق المظلمة بين يدي رجل لطالما صحبه طوال سنوات.. إنه الضابط حسام الذي قال يوما لمروان عندما فقد الأخير زوجته "سأبقى إلى جانبك، ولن أسمح لهذه الحياة أن تقسو عليك".

معلقا في الهواء من أطرافه الأربعة، يسحبه ثقل جسده إلى الأرض، وينظر إلى بركة الدماء التي تشكلت تحته من خيط الدم الذي ينزف من كافة أطراف جسده، ثم يأتي الضابط حسام ليسأل صديقه القديم مروان عن صلاته وعلاقاته بالإرهابيين.

تتزاحم الكلمات على لسان مروان وتختنق في حنجرته مشاعر الصدمة، ولا يجيب.. يرفع حسام السلك المجدول ويهوي به بقوة على جسد صديقه، فيواصل الأخير صمته، وتأخذه الذاكرة إلى يوم اجتمع فيه الاثنان في باحة منزل مروان يضحكان ويتسامران، وبقربهما ابنة مروان "شهد" وهي تلعب متناسية فقد والدتها، حيث كان حسام يسأل صديقه "متى ستتزوج وتأتي لشهد بأم تهتم بها؟".

قصة حقيقية
هذه المشاهد عُرضت في فيلم "معتقل" الذي تدور أحداثه في مدينة سراقب الخارجة عن سيطرة النظام بريف إدلب، بالإضافة إلى مناطق أخرى صورت فيها عدة مشاهد.

ويقول مخرج العمل محمد قدور للجزيرة نت إن الفيلم يحاول أن يجسد لحظة إنسانية يعانيها مئات آلاف المغيبين في معتقلات النظام السوري، ويحاول أن يحنط فترة زمنية باتت حاضرة في وجدان مئات الآلاف ممن خرجوا من تلك المعتقلات.

ويضيف قدور أن قصة الفيلم حقيقية ومستقاة من تجربة الشاب عبد الإله أصلان الذي يجسد مروان دوره، وقد اعتقل على خلفية نشاطه في توثيق جرائم النظام، حيث مكث في المعتقل نحو عام، ليخرج بعدها وقد وجد بيته عبارة عن كومة ركام، وطفلته "شهد" الوحيدة لقيت حتفها تحت الأنقاض.

مخرج الفيلم محمد قدور أثناء التصوير (الجزيرة)

رمزية الطرح
الرمزية وعدم المباشرة في الطرح هو الأسلوب الذي اعتمده المخرج لعرض قصته حسب قوله، وهو يسعى الآن للمشاركة بفيلمه في مهرجان الدول الإسكندنافية الذي سيشهد مشاركات لأفلام وثائقية وروائية.

ويقول كاتب سيناريو الفيلم حسين باريش للجزيرة نت إن السيناريو اعتمد على الرمزية في السرد من خلال حوار ذاتي (مونولوغ)، فكل شخصية لها قصتها وعلاقتها بالخارج، وكان هناك طرفا صراع من خلال الخط العام والصورة الكاملة للفيلم.

ويضيف باريش أنه ترك للمشاهد على مدار ثلاثين دقيقة هي مدة الفيلم، حرية توقع الأحداث التي سيتعرض لها مروان، ويقول إن الفكرة المراد إيصالها هي مناشدة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والمحكمة الدولية وضع حد لأزمة المعتقلين، ومحاسبة المسؤولين عن تصفيتهم.

وبحسب باريش، توضع الآن اللمسات الأخيرة للفيلم الذي استغرق تصويره أكثر من أربعة أشهر، حيث شكلت الظروف الأمنية والقصف المستمر على مدينة سراقب عائقا أمام التصوير.

كما يشهد فيلم "معتقل" مشاركة من معتقل رأي سابق في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، وهو الشاعر مدحت قدور، بالإضافة إلى فريق تصوير مؤلف من سبعة أشخاص بإدارة المصور ماجد قدور، ويقول المخرج إن تكاليف الإنتاج جمعت بمبادرات شخصية من القائمين على الفيلم.

المصدر : الجزيرة