كمال الرياحي-تونس

ضمن مشهد ثقافي عربي يشهد، منذ سنوات، عودة لافتة للثقافة الإيرانية من بوابة الترجمة وعبر الشاشة الكبرى، تأتي تجربة طاهرة علوي الروائية التي سبق أن عرفناها برواية "لاريب فيه" بترجمة أحمد الحيدري، حيث صدرت لها مؤخرا عن المترجم نفسه نسخة عربية لرواية "صيف ذلك العام" التي نشرتها دار المتوسط الإيطالية.

ترسم طاهرة علوي في نفس أوتوبيوغرافي مناخات المنفى الاختياري والغربة التي تعيشها طالبة طب إيرانية في باريس، تلوذ في غربتها بقبر كبير المنفيين والمغتربين الإيرانيين الكاتب صادق هدايات الذي أنهى حياته منتحرا.

عندما تذكر أن زيارة قبر هدايات والمسجد بباريس طقسها العادي أثناء إقامتها بفرنسا لا يمكننا إلا أن نتعرف على نفسية هذه الكاتبة التي يتنازعها الشرق بمسجده وكاتب متمرد عليه يرقد في قبره وكأنهما بالمكانين مغتربان، مسجد مزروع في الغرب وقبر إيراني شرقي مزروع قبالته. ضمن هذه الثنائية الميتافيزيقية والوجودية تحاول الراوية أن تجد لها موضعا في باريس الحرية.

صور نمطية
تحتشد في البناية التي سكنت فيها الطالبة الإيرانية جنسيات مختلفة من المهاجرين، هندية تحلم بأميركا وأفغاني مريض يشتغل غاسل أموات وبرتغالي فج يشتغل دهانا وأميركي معوق فقد قدميه في حرب ما وأردني جاء طالبا للطب انتهى به الحلم إلى غاسل أموات وطالبة طب صومالية غير عابئة بشيء.

هكذا تضعنا الكاتبة الإيرانية في قلب كوميديا سوداء يعيشها المهاجرون من كل أصقاع العالم يأتون إلى باريس حالمين بالفردوس الضائع لينتهي بهم الأمر في كابوس أوروبي أشبه بمقبرة يتحولون فيها إلى غاسلي أموات.

ترسم طاهرة علوي في نفس أوتوبيوغرافي مناخات المنفى الاختياري والغربة التي تعيشها طالبة طب إيرانية في باريس، تلوذ في غربتها بقبر كبير المنفيين والمغتربين الإيرانيين الكاتب صادق هدايات الذي أنهى حياته منتحرا

هناك في فرنسا يخلط السيد خوان صاحب البيت الفرنسي بين الإيراني والأفغاني والعربي ولا يعتبر أن هناك فرقا على الإطلاق بينهم ويستند إلى تشابه الحروف والقواعد المشتركة. هكذا ينمط الآخر الوافد ويختصره ويبتسر هويته في الحد الأدنى، لنكون أمام تلك الهويات الصغرى المهددة بالتحلل في ما يسمى بثقافة المهيمن التي استفحلت بدورها في زمن العولمة.

هذا الإقصاء والاختزال للذات، الهوية الوافدة، ترد عليه الروائية بنص يعيد إنتاج الصورة النمطية وكأنه شكل من الانتقام السردي أو ما يعرف بالرد بالكتابة حين تستحضر كل الكليشيهات النظرة الإيرانية للشخصية الأميركية فتقدمه في صورة المحارب القديم الذي لم يبق منه إلا ثلثه والذي فقد ساقيه في حرب ما لا تذكر اسمها وبذلك تزيد في التنكيل به، أميركي أحمق ككل الأميركان وجاهل لا يتقن حتى قواعد لغته مستغنيا عن لغات العالم يضرب الأرض وكأنها ملكه كلها.

شعرية الموت
تأخذنا صاحبة "وداعا جدي" إلى عالم الموت والأموات من خلال اشتغالها في المقبرة لتقدم لنا نصا أدبيا غارقا في روائح الموت وطقوسه وألوانه. وتظل طوال الرواية تقلب موضوع الموت على جنباته الوجودية والطبية وحتى ربطها بالانتماء العرقي والمذهبي كحديثها عن طريقة دفن السنة والشيعة لأمواتهم.

وفي قلب تلك الحياة القاتمة تفرض عليها الظروف أن تستقبل في بيتها نعيم الأفغاني المنكوب ليقاسمها شقتها فتندلع الحكايات والمواقف الطريفة بين الهويات المتشابهة في ظاهرها المختلفة في جوهرها.

تعتمد طاهرة علوي في هذه الرواية تقنية الوحدات السردية القصيرة لتقدم كل وحدة شخصية أو موقفا بعينه فينمو السرد وتتشكل الحبكة شيئا فشيئا، مستخدمة لغة بسيطة تزيد من متانة النسيج الروائي، مؤكدة قدرتها الروائية التي أهلتها لانتزاع مكانة مضيئة في المشهد الأدبي العالمي.

فهل تكون هذه الصحوة في ترجمة الأدب الفارسي محاولة لتحطيم ذلك الجدار الذي ارتفع بين الثقافتين العربية والفارسية بسبب خلافات سياسية أدخلت الثقافة الفارسية ومنجزها، بما في ذلك الأدبي، ضمن المجهول العربي؟ وهل حان الوقت لنتصالح مع الثقافة التي أهدت لنا واضع نحونا سيبويه وابن المقفع صاحب الأدبين الكبير منهما والصغير؟

المصدر : الجزيرة