هيثم حسين

يوظف الأردني زياد محافظة في روايته "أفرهول" اصطلاحات من اللهجة المحلية للترميز إلى بعض القضايا المعاصرة، يتجلى ذلك في العنوان الذي يشير إلى إعادة إصلاح محرك السيارة المعطوبة، يرمز من خلاله إلى واقع العاصمة عمان التي تكون مسرح أحداث الرواية وغايتها، ليعيد ترميم عالمها بناء على تفاصيل جديدة تظهر وجوهاً متعددة وتنزع أقنعة كثيرة عنها.

يوزع محافظة، الذي اختيرت روايته "نزلاء العتمة" بوصفها أفضل رواية عربية في معرض الشارقة للكتاب 2015، الأدوار بين أربعة رواة هم: "مازن الأمريكاني" و"محمود عواد" و"سليم الماجد" و"سعاد"، يمنحهم حرية الإفصاح عما يعترك في دواخلهم، ينطلق كل واحد منهم من زاوية مختلفة، تلتقي وتفترق في عمان التي تحتل دور البطولة والمعشوقة التي يدعي كل واحد منهم خشيته عليها، لكنه ينكل بها بطريقة مختلفة.

يتحرر زياد محافظة في روايته (فضاءات، عمان 2016) من بعض السرد الرتيب في الفصول الأولى إلى تكثيف الأحداث وتقطيعها تالياً، والدفع برواته إلى ميدان التنافس المحموم على تملك المكان وإعادة هندسته وترتيبه بحيث تبدو هويته الجديدة صورة عن الهوية الشخصية المأمولة، لا تلك التي هي عليها في واقع الحال.

زياد محافظة يقول إن خوفه على عمّان دفعه لكتابة رواية "أفرهول" (الجزيرة)

تناقضات المدينة
"مازن الأمريكاني" الذي يقدم نفسه بداية على أنه مهاجر ملّ الغربة وقرر الرجوع إلى بلده، يبدي أسفه على واقع عمان وبؤس التغيرات التي اجتاحتها وأثرت في بنيتها وأهلها، لا يلبث أن يكشف أوراقه، وذلك بعد أن ينجح لفترة قصيرة في تحريك الركود في محيطه، وبخاصة بعد افتتاحه المقهى الذي اشتهر بالمقهى الإمبريالي، في كناية عن أمواله ذات المصدر الإمبريالي.

يلصق الروائي ببطله مهمات استخبارية كثيرة، يندفع إلى ترسيم تحركاته في أميركا وتعرفه على أحد المتطرفين "قندهاري"، وتحوله إلى عميل مزدوج بين الاستخبارات الأميركية والمتطرفين، ثم يكشف كثيراً من أسرارهم وخططهم، ويقع في فخ التشكيك، ويكاد يصبح ورقة منتهية الصلاحية والفعالية.

يداهمه مرض السرطان بشكل فجائي، يفتك بجسده، لكنه يثير رغبته في الكشف عن حقيقة ما عاشه من ازدواجية، وتكون "سعاد" مصدر ولعه وشغفه، وتكون بدورها صورة للمدينة نفسها بتناقضاتها وتحولاتها والظلم الذي تعرضت له على أيدي أهلها، وعنادها وإصرارها على النهوض من تحت ركام المصائب التي عانتها وعاشتها وصولاً إلى إنجازاتها الأدبية وحضورها المميز. 

في تصريح خاص للجزيرة نت أكد الروائي زياد محافظة أن خوفه على عمّان، المدينة والإنسان والحكاية، دفعه لكتابة "أفرهول". ويذكر أنه في لحظة ما، يجد الروائي نفسه مدفوعاً للوقوف في وجه كل شيء، ليس رغبة في الصدام، بقدر ما هو توق لتقشير هذا الواقع البائس الذي ازدادت سماكته، ومحاولةٌ جادة للتشبث بالأمل وسط هذه الفوضى العارمة، التي أحكمت قبضتها على كل شيء.

خاتمة الرواية جاءت بطريقة غير مألوفة في المدونة السردية العربية، وحوت الكثير من الرموز والدلالات، وهو ما منح الكاتب المزيد من الحرية في كتابة هذا العمل، وإعادة تأمل أحداثه من جديد.

مصائر ومآلات
ويعتقد محافظة أن الرواية الصادقة لا تُكتبُ لتزويق الحاضر أو تبرير انحرافاته، بل لتفكيكه ومواجهته، وتحسّس الغد والتهيؤ له. كما يتساءل "ما قيمة الرواية إن لم تقف بوجه هذا كله؟ كيف للروائي أن يهنأ بالكتابة عن النوارس واللقالق والغروب، وهو يتعثر بهذا الكم من الخراب، ويشتمُّ رائحة الحريق أينما ذهب؟".

ويشير إلى أنه لم يكتب "أفرهول" بقصد الإثارة، لأن من يتأمل المشهد اليوم سيجد حالة من الاختناق، هي أقرب للغليان والفوضى والتشتت والتذمر الذي طال كل شيء. لذلك تقتضي الحكمة التوقف قليلاً لالتقاط الأنفاس، وقراءة المشهد بدقة دون زيف أو مجاملة.

أما عن اشتغاله الفني فيصرح محافظة أنه لم يكن يعنيه كثيراً القالب الفني الذي ستخرج به الرواية، هل ستنتمي لتيار القص الحداثي أو ما بعد الحداثي، وأن ما كان يعنيه حقاً هو ذاك التتبع الدقيق لمصائر الشخصيات، والمآلات الغامضة التي تنتظرهم.

وينوه إلى شيء آخر ظل يؤرقه وهو إلى أي حد سيبقى ديمقراطياً مع شخوص العمل، فيمنح كل واحد منهم الفسحة السردية الكافية، ليعبر دون زيف أو تدخل عن مخاوفه وخيباته وانتماءاته وأحلامه المؤجلة، خصوصاً أن الرواية تعتمد تقنية الأصوات المتعددة، وتشتمل في تصاعدها الدرامي على أربع حكايات جنباً إلى جنب.

ويظن أن خاتمة الرواية، التي جاءت بطريقة غير مألوفة في المدونة السردية العربية وحوت الكثير من الرموز والدلالات، منحته المزيد من الحرية في كتابة هذا العمل، وإعادة تأمل أحداثه من جديد.

المصدر : الجزيرة