خميس بن بريك-تونس

رغم أن قدميها لم تطآ أرض توجان، القرية البربرية الواقعة في مدينة مطماطة بالجنوب التونسي، فإن الكاتبة آمنة الرميلي استطاعت أن تأخذ القارئ بعيدا في الزمان والمكان في رحلة سردية مشوقة يمتزج فيها الواقعي بالخرافي، في روايتها الجديدة "توجان" الحائزة على الجائزة الذهبية للكومار الأدبي.
 
ومع أنه ليس من السهل ضبط موضوع واحد لهذه العمل المبني في جوهره على التعدد، فإن رواية "توجان" تلف حول "حكاية الأرض بمن عليها وما عليها، حكاية الأرض التي تشكل الإنسان ويشكلها، تخلقه ويخلقها، تهبه الماء والعطش، الفرح المشتعل والحزن الأسود، العشق والحقد"، بحسب الكاتبة.

جاءت هذه الرواية لوحة مختلفة الألوان والرموز، فتشتد الصور قتامة كلما غاص القارئ في حيل السرد والأوصاف التي ترسم حالة العطش والقحط والصراع على الماء بين القبائل والعروش في أرض توجان القاحلة، بينما تبتهج ألوان الصور كلما سبح القارئ في بحر معاني العشق والخصوبة.

من خلال أسلوب الخطاب الاسترجاعي الذي يسرده بطل القصة "سلطان ولد الغزال" -الذي ينتمي إلى عرش أولاد الغزال- يشرع القارئ في حزم حقائبه ليسافر بعيدا في مخيلته إلى أرض بربرية مفعمة بالأساطير، تدوّن حكايات بعيدة عن حب الأرض والانتماء وقصص العشق والصراع على الماء.

آمنة الرميلي: "توجان" هي تونس التي تخوض صراعها من أجل الحياة (الجزيرة)

فرصة للتغيير
وبفضل دهائها السردي، استطاعت الكاتبة أن تدفع القارئ ليسير على وقع خطى هذا البطل الذي غادر مُكرها أرض توجان الصحراوية ليستقر في كندا المثلجة في غربة دامت عقدين، فيلتصق القارئ في البطل كظله متشوقا لمعرفة مزيد من التفاصيل التي هي دون شك ستثير كوامنه وترجّها.

بعد عشرين سنة من الغياب كتب فيها عشرين ديوانا شعريا في حبيبته التوجانية "صحراء"، التي تنتمي إلى عرش أولاد الأحمر الذين يتحكمون في شريان الماء ويسرقونه من منابع توجان؛ يعود "سلطان" مثقلا بحكايات الماضي عن حبه لأرضه وعشقه المجنون لحبيبته وندمه على غدره لها.

قصة عشقه مع "صحراء" كانت فرصة ممكنة لتغيير الوضع في بلدة توجان، وتوحيد عرشي أولاد الغزال وأولاد الأحمر، وترتيب مصالحة بينهما حول اقتسام الماء والكف عن العداء والبغضاء والتقاتل، لكن رياح الرواية جرت بما لا يشتهيان حيث حملته مسؤولية الفشل بإفشاء سرّ حبيبته والبعد عنها.

"كيف يلتقي غادر ومغدور بعد عشرين سنة؟! كيف يضع عاشق عينه في عين معشوقه بعد أن تركه عشرين عاما يهيم في الوحدة والقهر والسؤال وراء السؤال؟!"، يتساءل البطل الذي سقط على مذبحة المأساة وبقي صوت "صحراء" يقرع دماغه من الداخل قرعا: "لماذا غدرت بي يا سلطان؟".

وسبب تلك المأساة هو اشتعال نيران العداوة بين عرشي أولاد الأحمر وأولاد الغزال بعدما اقتحم "سلطان ولد الغزال" مع أولاد عرشه منزل عائلة أولاد الأحمر ليكشف السر الذي باحت به له "صحراء" بأن عائلتها تسرق من منابع جبل توجان، رغم أنها ترجته أن يكتم السر حتى يجد أبوها حلا مناسبا.

رضا بن حميدة: اختيار الفضاء الروائي في "توجان" فيه تحديث فني، لأنه فضاء يطغى عليه البعد الخرافي والأسطوري والعجائبي، واللغة الشعرية طغت على العمل بعيدا عن اللغة التقريرية

توق للكمال
ورغم أن "سلطان" في الخطاب الروائي كان بطلا إيجابيا بسعيه الدؤوب لإصلاح أوضاع قبيلته، فإنه كان بطلا مأساويا في الحكاية "يتوق إلى الكمال ولا يبلغه وإلى النجاح ولا يحققه وإلى الحب فيفسده، يصارع ومصيره أن يفشل، أمنته صحراء على سرّ الماء فخانه وخانها وكانت المأساة".

لكن المأساة لم تكن سوى الشجرة التي تحجب غابة الإبداع السردي الذي تعدد رواته في جسد النص المنشطر، وتمازج فيه الواقعي بالخرافي حيث طغت حكايا الأولين والخرافات البربرية على فصول الرواية، "بعضها مختلق طازج وبعضها مستوحى من الرصيد المقروء والمسموع"، بحسب الكاتبة.

ورغم أن "توجان" تحكي حكايات أرض بربرية تنتهي بمأساة عاشق ومعشوق، فإن الكاتبة آمنة الرميلي تقول للجزيرة نت إن الرواية في عمقها الدلالي "هي تونس التي تخوض صراعها من أجل الحياة، وتبادل أبناءها المهووسين بحبها حبا وتنبههم لخطورة الإقصاء والكره والحقد فيما بينهم".

وعن رأيه في "توجان"، يقول الناقد التونسي رضا بن حميدة إن "اختيار هذا الفضاء الروائي فيه تحديث فني لأنه فضاء يطغى عليه البعد الخرافي والأسطوري والعجائبي"، مشيدا باللغة التعبيرية التي استخدمتها الكاتبة في الرواية التي "طغت عليها اللغة الشعرية بعيدا عن اللغة التقريرية".

ويرى أن ميزة هذه الرواية تكمن في إيقاعها السريع الذي لا يترك للقارئ خيارا سوى متابعة القراءة، مشيرا إلى أن الرواية كتبت في مرحلة توجهت فيها أغلب الكتابات إلى الحديث عن الثورة والسياسة والأيديولوجيا، بينما لم تذهب "توجان" هذا المنحى ولم تجعل الحدث السياسي المباشر مطية السرد.

المصدر : الجزيرة