سلافة جبور-دمشق

بمعدّات بسيطة منها ما هو مصنّع محليًّا، وخبرات فنية متواضعة، تصلنا من غوطة دمشق الشرقية كل يوم خلال شهر رمضان الكريم حلقات من مسلسل درامي هو الأول من نوعه من حيث الفكرة وظروف العمل.

وتحت اسم "حكواتي الغوطة"، وبأنشودة يقول مطلعها "يا حكواتي غوطتنا.. سمّعنا هالخبرية.. عن الثورة السورية.. يا حكواتي غوطتنا"، تروي مجموعة من شباب غوطة دمشق الشرقية قصصا تحاكي واقعهم الأليم في ظل الحرب والحصار، في حلقات يومية لا تتجاوز مدة كل منها عشر دقائق، ينتجها "تلفزيون الآن"، وتعرض على شاشته وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

والحكواتي عادة شعبية تقليدية تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، واشتهر في دمشق بأنه الشخص الذي يمتهن سرد القصص ويتحلق حوله الناس في المنازل والمحال والمقاهي متفاعلين معه بالحركة والصوت.

ولا يبتعد المسلسل المذكور عن هذه الصورة، حيث يظهر "حكواتي الغوطة" مرتديًا الزي الدمشقي التقليدي، وواضعا أمامه الكتاب الذي يقرأ منه حكايات ويوميات الثورة السورية لمستمعيه في منزل دمشقي عريق.

محمد حميدان المنتج المنفذ لمسلسل "حكواتي الغوطة"  (الجزيرة)

وتتنوع تلك الحكايات التي حرص القائمون على المسلسل على أن تتحدث عن كافة المراحل التي مرت بها الثورة، ابتداءً بالمظاهرات السلمية ومواجهة النظام لها بالعنف والاعتقال والقتل، مرورًا بتشكل الجيش الحر دفاعًا عن أهالي الأحياء الثائرة، وصولاً إلى تصاعد العنف ومجازر النظام في حق المدنيين وعلى رأسها مجزرة السلاح الكيميائي في شهر أغسطس/آب 2013 التي راح ضحيتها المئات في غوطتي دمشق الشرقية والغربية.

أنشودة الثورة
ويقصّ الحكواتي تلك الحكايات -وأبطالها طلاب الجامعة "غالب وصياح وماهر"- بلهجة دمشقية عامية، يتبعه المنشد "أبو ماهر صالح" الذي يغني في كل حلقة أنشودة للثورة بمرافقة فرقة عراضة دمشقية.

واضطلع بأداء دور الحكواتي الشاب "عامر الشامي" الذي تحدث للجزيرة نت عن تجربته الأولى في التمثيل بالقول: "لم يسبق لي دخول ميدان التمثيل سوى ضمن تجارب مسرحية خلال أيام الدراسة، كنت خلالها متأثرا بأداء الممثل السوري ياسر العظمة الذي حاولت تقليده".

ولم تمنع خبرة الشامي المتواضعة وعدم اطلاعه على تجارب "حكواتية" من قبل من مشاركته في العمل، مدفوعا بإصرار المخرج على أدائه لهذا الدور، وبإعجابه بالفكرة والمحتوى وتفاعله الكبير معهما، وأكد الممثل حرصه على تقديم أداء مميز للمشاهدين وإثبات جدارته في أول عمل فني له.

ولا تختلف حكاية مخرج العمل عن بطله، فالشاب سامي الزبيدي لم يسبق له التمثيل في مسلسلات درامية، وتقتصر خبرته الفنية على تصوير وإخراج الحفلات والأعراس، إلا أن رغبته في استعادة هواياته القديمة، والمشاركة في عمل فني يهدف للرد على تضليل النظام، دفعاه لإخراج ومونتاج المسلسل.

فكرة المسلسل تتلخص في الرغبة في مواجهة آلة النظام الدرامية التي اعتمدت تزييف الحقائق من خلال الأعمال والمسلسلات التي يصور كثير منها الثورة السورية على أنها مكافئ لتنظيم الدولة الإسلامية

تحديات الإنتاج
وأشار الزبيدي إلى أن الوصول لجودة فنية احترافية بمعدات بسيطة كان من أبرز الصعوبات التي واجهتهم أثناء الإخراج والتصوير الذي اعتمد على استخدام أربع كاميرات ومن ثم دمج المقاطع وإخراجها، إضافة لتصنيع معدات أخرى محليًّا منها سكة الكاميرا المتحركة.

ويتفق المنتج المنفذ للعمل محمد حميدان مع هذا الرأي، إذ ينوه للعديد من العوائق منها انقطاع التيار الكهربائي، وصعوبة الحصول على تجهيزات الإنارة والصوت اللازمة، إضافة لظروف الحرب والحصار التي تعيشها الغوطة الشرقية، وهي عوائق لم تمنع من كتابة وتمثيل وتصوير وإخراج ومونتاج العمل داخل الغوطة.

وتتلخص فكرة العمل وفق حميدان في الرغبة في مواجهة آلة النظام الدرامية التي اعتمدت تزييف الحقائق من خلال الأعمال والمسلسلات التي يصور كثير منها الثورة السورية على أنها مكافئ لتنظيم الدولة الإسلامية ليس إلا، وذلك من خلال قالب يختلف عن التقارير الإخبارية والإنسانية التي ألِفها المتابعون وباتت حدثا اعتياديا يمر عليهم مرور الكرام.

ويرفض حميدان مقارنة "حكواتي الغوطة" بأعمال درامية ذات إمكانيات ضخمة تعرض خلال شهر رمضان، لكنه مرتاح لما حققه من نسب مشاهدة جيدة، ويأمل أن يتمكن هذا العمل من نقل صورة حقيقية وواقعية عن الثورة السورية.

المصدر : الجزيرة