أيمن الزبير-مدريد

في قاموس الكاتبة والصحفية الإسبانية تيريسا أرنغورين، لا مكان للتدبيج والنفاق اللغوي، فالهدف من كتابها الأخير "للتذكير وضد النسيان" واضح ولا يحتاج قراءة بين السطور، كما يستدل من عنوانه الذي يلخص أو يكاد رغبة صاحبته، فطيلة مسار مهني وشخصي لم تتوقف تيريسا عن صيحات لمن ألقى السمع بأنه قبل الاحتلال ومحاولات طمس الهوية كان في فلسطين شعب ووطن وأحلام.

وأوضحت تيريسا أنها استلهمت فكرة هذا الكتاب من فيلم فرنسي قصير للمخرج سيلفان روميت، فقد جمع مادة تسجيلية من "المؤسسة العربية للصورة" تقرب المشاهد من أجواء تسامح وتعايش كانت تغمر فلسطين قبل النكبة عام 1948.

وتلتقط تيريسا أرنغورين تلك الأجواء من أرشيف صور أصدقائها الفلسطينيين في مدينة حيفا، الذين مدوها بهذه الوثائق لبدء مشروع كتابها رفقة المصورة ساندرا باريلارو.

وقالت تيريسا في تصريحات للجزيرة نت "بعد عودتنا إلى مدريد اكتشفنا أن هذا الأرشيف غير كافٍ لأنه يمثل فقط صور الطبقة الوسطى، ولذا بحثنا عن أرشيف آخر كان قد أهدي إلى الكونغرس الأميركي".

واكتشفت تيريسا في هذا الأرشيف مفاجآت عدة رغم معرفتها الواسعة بتاريخ وحضارة الدول العربية، وقالت "فاجأني التشابه بين ألبومات الأسر الفلسطينية وأسرتي. أستطيع تأكيد أن صور الأسر الفلسطينية قبل النكبة لا تختلف عن صور العائلات الإسبانية واليونانية والإيطالية".

وتعرض تيريسا بالقول إن المرأة كانت دائما مهمشة في المجتمعات العربية، وتدعو قائليه إلى الاطلاع على صور "توضح قوة حضور الجمعيات النسوية الفلسطينية في الحياة السياسية ومجالات حياة المجتمع الفلسطيني عموما حينذاك".

في هذا الكتاب، الذي وضع مقدمته "أيقونة الاستشراق الإسباني" بيدرو مارتينيث مونتابيث، مشاركة فلسطينية بنصوص للمؤرخ الفلسطيني من عرب 1948 جوني منصور، ومدير مركز دراسات العالم العربي المعاصر في جامعة لوفان البلجيكية بشارة خضر، اللذين يريدان -مثلما تريد تيريسا- إثبات وجود فلسطين ليس فكرة فحسب، بل مجتمعا وثقافة وأرضا احتلها غزاة لا يمتون بصلة لها.

تقول تيريسا أرنغورين إن هدفها هو ألا ينسى الرأي العام في إسبانيا ودول منطقة أميركا اللاتينية بأكملها حجم الدمار الذي لحق بمئات البلدات الفلسطينية وبشاعة التطهير العرقي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني

محاربة الجهل
وتقول تيريسا إن هذا الإصرار التاريخي والأكاديمي تفرضه الحاجة إلى إنارة الرأي العام الأوروبي الذي أدار ظهره لهذه الحقائق، فالحركة الصهيونية -على حد تعبيرها- لم تعتمد فقط على نفي وجود الشعب الفلسطيني، بل حاولت أيضا طمس ذكرى وجوده لدعم الأكاذيب الصهيونية القائلة إن فلسطين كانت أرضا بلا شعب.

ولأن الكتابة عن فلسطين يجب أن تكون بالأحرف العربية، تقول تيريسا إنها أصرت على ضرورة طبع هذا العمل باللغتين الإسبانية والعربية، لكي يصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء، ولكي لا ينسى الرأي العام في إسبانيا ودول منطقة أميركا اللاتينية بأكملها حجم الدمار الذي لحق بمئات البلدات الفلسطينية وبشاعة التطهير العرقي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني.

لكن رغم هذه الذكريات الأليمة التي يحرص هذا العمل الأدبي الموثق بالصور على ألا تضيع في طيات النسيان، تقول تيريسا إنها تشعر بنوع من الارتياح بعد معاينة الإقبال الذي لقيه هذا الكتاب لدى ظهوره في الأسواق ومناقشته في أروقة ومنتديات ثقافية.

وأشارت إلى أن "بعض دور النشر مهتمة بترجمة الكتاب إلى اللغتين الفرنسية والإنكليزية، وختمت بالقول "ويروقني تفاعل قراء يسألونني: كيف كنا مخدوعين إلى هذا الحد حتى نجهل تاريخ مجتمع كمجتمع فلسطين"؟

المصدر : الجزيرة