في المحطة السادسة على درب الرحلة مع عدد من الكتاب والمبدعين العرب، للتعرُّف على طقوسهم في الإبداع والكتابة والقراءة خلال شهر رمضان الكريم، نتوقف اليوم مع الكاتب المغربي الشاب طارق بكاري.

يعترف صاحب رواية "نوميديا" التي فازت هذا العام بجائزة المغرب للكتاب في فئة السرديات والمحكيات، واختيرت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) بأنه يتراجع إبداعيا في هذا الشهر، لأن الكتابة الروائية تتطلب لديه قدرًا كبيرًا من التركيز.

في مقابل ذلك تنفتح لدى طارق بكاري (28 عاما) شهيّة القراءة في رمضان، وتزحف ساعات القراءة على الوقت المخصص للكتابة, ويميل في قراءاته إلى المؤلفات الفكرية والفلسفية التي تسائل الدين.

كما يشكل هذا الشهر بالنسبة للكاتب الشاب مناسبة للتفكير في أسئلة التدين وكتابة بعض الملاحظات في أفق كتابتها في مقالات أو تضمينها في عملٍ روائي.

في ما يلي نص ردود الكاتب على أسئلة الجزيرة نت حول طقوسه في القراءة والكتابة وما يتذكره من طفولته في شهر رمضان:

تراجع الإبداع
طقوس الكتابة والإبداع عندي تتأثر برمضان بشكل كبير، لا سيما بداية الشهر. أحتاج فترة من الزمن لأتعود على غياب القهوة, ذلك أنّني لا أكتبُ ليلا، والفترة الأثيرة بالنسبة لي هي تلك التي تمتدُّ ما بين الثانية بعد الزوال إلى حدود مغيب الشمس, ولعلها الفترة التي يشرع فيها جسد الصائم بالتراخي ويفقد فيها رويدا رويدًا لياقته الذهنية..

لذلك يحدث أن أتراجعَ إبداعًا في هذا الشهر, لأن الكتابة الروائية تتطلب قدرًا كبيرًا من التركيز, كما أن الكتابة عندي نظامٌ صارمٌ، ولا شكّ أن هذا الشهر وما يرافقه من تغيرات على مستوى الأكل والنوم يكسر هذا النظام، مما يؤثر سلبًا على الكتابة، لكن عزائي الوحيد أن هذا الشهر يفتح شهيّتي على القراءة.

شهية القراءة
شهر رمضان مناسبة للتفرغ للقراءة, وإذا جرت العادة في الأيام العادية أن تقتصر القراءة على عدد معين من الساعات، فإن شهيّة القراءة في رمضان تنفتح وساعاتُ القراءة تزحف على الوقت المخصص للكتابة, كما تتضاعف عدد الكتب التي أبحر فيها.

نوعًا ما.. هناك كتبٌ تناسب نهارَ رمضان وأخرى تليق بليله, النهارُ في الغالب أخصصه للكتب الإبداعية, أقصد الشعر والرواية على وجه خاص, والليل لقراءة الكتب ذات المنحى الفكري التي تستلزم قدرًا من التركيز, كتب متنوعة, فلسفة, تاريخ, علم النفس.. في الغالب تكون ذات صلة بالمشروع الروائي الذي أعمل عليه.

أمّا عن قراءاتي الرمضانية لهذا العام فهي متنوعة, لا بد أن تستهل بالقصيدة, ثمَّ الرواية, منشغل هذا الشهر "بالرواية الأفريقية"، كما أعيد قراءة بعض الروايات العربية الجميلة. أمّا عن الكتب الفكرية فأنشغلُ حاليًا بقراءات متنوعة كلها تجعل من الدين وأسئلة التدين موضوعًا لها.

سؤال الدين
اهتماماتي الأدبية تكاد لا تتأثر بالأجواء العامة لشهر رمضان, لأنها كما أسلفت تتصل أساسًا بمشروعي الأدبي.. في الغالب تقتصر قراءاتي على الأعمال التي أجد أنها ستضيفُ لي شيئًا.. فكريًا رمضان شهر الأسئلة العصية الشائكة, وقفة للتأمل الخالص في جدوى التدين.

في هذا الشهر أجد نفسي أميلَ إلى القراءات الفكرية والفلسفية التي تسائل الدين, أقرأ الرأي والرأي المضاد، وأفرد مساحة من نهاري للتفكير في الأمر وكتابة بعض الملاحظات في أفق كتابتها في مقالات أو تضمينها في عملٍ روائي.. المناسبة الدينية تعيدُ إلى الواجهة سؤال الدين بإلحاح.

أجواء لا تتكرر
أجواء ما بعد الإفطار تكون أقربَ إلى الاحتفال, لكن أعتقد أنّه كلما تقدّمَ بنا العمرُ اضمحل فرحنا بهذه المناسبات وتبدّد انتشاؤنا بالفرح، رغم أن الحياة قد تضع أسبابه في متناول أيدينا. سعادتنا برمضان أو الأعياد ونحن أطفال لا تتكرّر, وتلك الأجواء الطفولية لا تتكرّر، بل تتلاشى سنة بعد أخرى..

يهزني الحنين إلى أجواء الإفطار مع العائلة, أجواء المنافسة بين الأقران: من يصوم أيّامًا أكثر؟ الألعاب النارية التي كنّا نعبث بها كل ليلة, حبل اللعب وهو يمتد إلى حدود الفجر, وذلك الإحساس العذب, إحساس بأنّ هناك أمرا مختلفًا وأنّ تلك الليالي استثناء جميل، أنّ الناسُ غير الناس الذين نعرفهم، وأن السماء غيرُ السماء، وأنّ ليلة ما من ليالي رمضان قد تتسعُ لمعجزة ما أو حدثٍ فريد لا يتكرّر؛ إحساسٌ تشحذه في النفس الحكايات الشعبية التي تحفنا من كل جانب.

المصدر : الجزيرة