أنطوان جوكي

بخلاف الدراسات والأبحاث الغزيرة التي رصدت في الجزائر أو فرنسا حرب التحرير الجزائرية، تبقى النصوص، التي سعى أصحابها إلى ولوج ذلك المكان السرّي الذي تكمن فيه مشاعر مَن اختبر هذه الحرب، قليلة.

من هنا تأتي أهمية الكتاب الذي أعدّته الكاتبة الجزائرية ليلى صبار، وصدر حديثاً في فرنسا بعنوان "طفولة في الحرب، الجزائر 1954-1962"، إذ يتضمن نصوصاً غير منشورة سابقاً لنحو أربعين روائياً وشاعراً وفيلسوفاً ومؤرّخاً جزائرياً وفرنسياً عاشوا طفولتهم في الجزائر خلال الحرب، ويتوقف كل واحد منهم في نصّه عند هذا الفصل المؤلم من حياته.

وعبر هذه النصوص تسعى صبّار لإسماع صوت الطفل الذي كان عليه كل واحد من هؤلاء الشهود أثناء الحرب؛ وبالتالي لا تطمح الكاتبة إلى بلوغ حقيقة تاريخية مفترضة بقدر ما تطمح إلى "تحرير أسرار محفوظة في كثافة الزمن وشبه منسية"، والاستفادة من تلك البصيرة النافذة التي يتمتع بها الطفل لإنارة المآسي التي طالت جميع سكان الجزائر خلال تلك المرحلة الدامية من تاريخهم الحديث.

هكذا نصغي على طول الكتاب إلى سرديات بلغة طفولية تصوّر أحداث حرب التحرير كما عاشها هؤلاء الشهود، وكما حفظوا أحداثها المؤلمة، وأيضاً كما يرغبون اليوم في نقلها إلى أطفالهم والآخرين.

واسيني الأعرج أحد الكتاب الجزائريين الذين أدلوا بشهاداتهم في الكتاب (الجزيرة)

بوح بريء
ولعل قيمة هذا الكتاب تكمن في هذه النقطة خاصة، أي في ذلك البوح البريء الذي لا يعرف المواربة أو المناورة، كما تكمن في الأسئلة العميقة والمؤثّرة التي تعبر نصوصه، الأدبية بامتياز.

ومن هذه الأسئلة: كيف نكتب لنكون في أقرب نقطة ممكنة من الواقع؟ كيف نتناول أحداثاً مرعبة لم نكن قادرين على فهم أسبابها ونتائجها؟ كيف ننقل ذاكرة مشحونة إلى حدٍ كبير عاطفياً وسياسياً إلى ورثة هذه الحرب على ضفّتي المتوسّط؟

ولا شك أن الكتاب يستمد قيمة إضافية من سعي صبّار إلى بلوغ توازنٍ في خطابه، إذ تتوزّع نصوصه مناصفةً بين الكتّاب الجزائريين من جهة والكتّاب الفرنسيين والأوروبيين من جهة أخرى.

ويتناغم عدد مهم من نصوص الكتّاب الفرنسيين والأوروبيين مع نصوص الكتّاب الجزائريين في المدافعة عن حق أبناء الجزائر في الثورة والانعتاق من الاستعمار الفرنسي، أو في تصوير عنف هذا الاستعمار وقمعه الوحشي للثوار والناس الأبرياء أثناء الحرب.

وفي هذا السياق، نذكر شهادات نورا أسوفال وكريستيان شولي عشور وميشيل أودان وجاكلين برونو وماري مالاسبينا وسيمون مولينا وميراي نيكولا وكريستين راي وداني توبيانا، التي تتجاوب في محتواها مع شهادات يحيى بلعسكري وميساء باي وعبد القادر جمعي وزينب لعبيدي وواسيني الأعرج.

توقف كتّاب فرنسيون وأوروبيون عند امتناع ذويهم عن تسمية ما كان يحدث في الجزائر "الحرب"، وتفضيلهم كلمة "أحداث" التي كانت تستخدمها الحكومات الفرنسية آنذاك

حنين للجزائر
لكن هذا لا يعني أن ثمة سكوتاً عن التجاوزات والجرائم التي ارتكبها أفراد من "جبهة التحرير الوطنية" في حق بعض الجزائريين أو المدنيين الأجانب. فالكاتب نور الدين سعدي -على سبيل المثال- خصّص شهادته المؤثّرة لذلك الرجل الجزائري الذي شاهده يتعرّض للضرب أثناء خروجه من المدرسة، وكان قد اقتُطع أنفه وعُذّب لعدم التزامه بأوامر "الجبهة" بالامتناع عن التدخين.

الملاحظ أيضاً في شهادات الكتّاب الفرنسيين والأوروبيين هو توقّف عدد كبير منهم عند امتناع ذويهم عن تسمية ما كان يحدث في الجزائر "الحرب"، وتفضيلهم كلمة "أحداث" التي كانت تستخدمها الحكومات الفرنسية المتعاقبة للتقليل من شأن ثورة كلّفت الجزائريين أكثر من مليون شهيد.

وبما أن أغلب هؤلاء الكتّاب اضطروا إلى مغادرة الجزائر مع أهلهم عند نهاية حرب التحرير، يتطرق بعضهم للسنوات الأولى من حياته في هذا البلد بأرقّ العبارات وأجملها، قبل أن ينتقل إلى الألم المستشعَر لدى الرحيل، وإلى حنينه لهذه الأرض وأبنائها بعد الاستقرار في فرنسا.

باختصار، هو كتاب مؤثّر وضروري للتأمّل في ذلك الجانب الذي ما زال معتماً من فصل الاستعمار، ولفهم الجزائر التي انبثقت من حرب التحرير، وأيضاً لقراءة عالمنا اليوم الذي يُكتب بمفردات الحرب ذاتها.

المصدر : الجزيرة