في المحطة الخامسة على درب الرحلة مع عدد من الكتاب والمبدعين العرب، للتعرُّف على طقوسهم في الإبداع والكتابة والقراءة خلال شهر رمضان الكريم، نسافر اليوم مع الكاتبة والمترجمة العراقية ميادة خليل المقيمة في هولندا منذ أكثر من عشر سنوات.

يمثل شهر رمضان بالنسبة لصاحبة "نسكافيه مع الشريف الرضي" فرصة كبيرة للقراءة والاطلاع ومراجعة ترجمات وكتابات سابقة وتصحيحها أو التعديل عليها، لكن مع تركيز وجهد أقل بالطبع من الأيام العادية.

عندما تعود ميادة بالذاكرة إلى الوراء فإن أول صورة تظهر في عقلها عندما تربط كلمتي رمضان والطفولة هي أجواء البهجة والبساطة في بلاد الرافدين وتحديدا طقوس الگرگيعان (القرقيعان) في البصرة الذي يعرف بـ"الماجينة" في بغداد.

في ما يلي نص ردود الكاتبة ميادة خليل على أسئلة الجزيرة نت حول طقوسها في القراءة والكتابة وما تتذكره من طفولتها في شهر رمضان:

في رمضان تتأثر يومياتنا بشكل كامل -أتحدث عن نفسي بالطبع- وتتغيّر مع ظروف كل عام، وبالتالي الكتابة والقراءة اليومية. أحاول الكتابة، ولا أكتب لساعات طويلة متواصلة في شهر رمضان. أقرأ وأترجم، وأدون بعض الأفكار التي تشغلني بخصوص الكتاب الذي أشتغل عليه الآن، وربما أقوم ببحث عن معلومات تخص كتابي القادم، لكن ليس بنشاط وتركيز الأيام العادية، في رمضان كل شيء يسير بهدوء وعلى مهل.

رمضان فرصة كبيرة لي للقراءة والاطلاع على كتب جديدة أو كتب موجودة في مكتبتي منذ زمن ولم أعرها أي انتباه أو حتى نسيتها. الصوم في هولندا 18 ساعة تقريباً لذا أستغل الكثير من ساعات النهار في القراءة. بعد الفطور حتى الفجر أواصل القراءة أو الترجمة أو ربما الكتابة، ومراجعة ترجمات وكتابات سابقة وتصحيحها أو التعديل عليها، لكن مع تركيز وجهد أقل بالطبع من الأيام العادية.

"الروائي الساذج والحساس" لأورهان باموق آخر كتاب ترجمته الكاتبة ميادة خليل (الجزيرة)

شغف القراءة
أقرأ كثيراً في رمضان، وقراءاتي تكون في أغلبها أدبية. أختار الكتب التي أنوي قراءتها مسبقاً لهذا الشهر مثلاً حددت الكتب التالية هذا العام: "جوائزي" للكاتب الهنغاري توماس بيرنارد الأديب النمساوي الهولندي الأصل.. "أنا والآخر" للكاتب الهنغاري إيمري كيرتيس. "قلب من ساتان" للشاعر والكاتب الهولندي ريمكو كامبرت. "المسرح، الرسالة، الحقيقة" للروائي الهولندي هاري موليش، والجزء الثاني من كتاب "العراق" لحنا بطاطو، و"آلام الشاب فرتر" لغوته.

ما عدا كتاب "العراق" أميل عموماً هذه الأيام لقراءة الكتب الصغيرة ذات اللغة البسيطة والتي لا تحتاج إلى تركيز كبير. وعادة ما تتغير قائمتي للكتب واختياراتي وفقاً لمزاجي، أو عن ماذا أبحث في الكتاب. أحب أن أقرأ الكتاب الذي يحقق حاجة في نفسي، حاجة مختبئة لا أستطيع التعبير عنها بشكل جيد، وهكذا هو الأمر بالنسبة للكتابة.

ليس هناك أجواء خاصة لشهر رمضان في هولندا بالشكل المتعارف عليه في العراق والبلاد الإسلامية، نحن نبتكر في المنزل هذه الأجواء، أحاول ذلك. ومع التغيير الكامل للروتين اليومي، وحاجة إلى الاسترخاء والتفكير ومحاولة -دائماً فاشلة مع الأسف- لتغيير بعض العادات غير الصحية، تفرض طقوس رمضان أجواءها على حياتنا كلها.

وكل هذا يؤثر بشكل أو بآخر على مزاجي الشخصي وبالتالي قراءاتي وكتابتي. لهذا أختار الكتب التي أنوي قراءتها وأضعها في الرف الأوسط من المكتبة، وأحياناً أُغيّر قائمة القراءة أو أتوقف عن قراءة كتاب لأنه لم يشدني أو لم يعجبني، واستبدله بكتاب آخر، وهكذا.

ميادة خليل:

أول صورة تظهر في عقلي عندما أربط الكلمتين مع بعضهما: رمضان وطفولتي، هي الگرگيعان (القرقيعان) في البصرة ويعرف بـ"الماجينة" في بغداد.

القراءة والبحث أمران متصلان مع بعضهما دائماً بالنسبة لي. في الأيام العادية أنا -مع الأسف- غير منظمة في عملي، أعمل حسب ظروف اليوم سواء الأعمال المنزلية الروتينية أو الكتابة والترجمة. الأمور الحياتية اليومية هي التي تقودني طوال الوقت. وتزداد هذه الفوضى بالطبع مع رمضان.

حاولت كثيراً الالتزام بعمل معين في ساعة محددة، ووضع أهداف يومية ومستقبلية، لكني ببساطة لا ألتزم بها، النظام والروتين يخنقني ويشعرني بأني مقيدة، وغير حرة، لذا أكره النظام. ولا أستطيع العمل ومكتبي منظم جداً وكل شيء في مكانه، يشعرني هذا بعدم الارتياح. ما دمت أجد أشيائي بسهولة، مع القليل من الفوضى، أو الكثير جداً. وفي رمضان أترك مكتبي على حاله، بلا تنظيم، قواميس، كتب، أقلام وأوراق متناثرة هنا وهناك، هكذا أشعر بالحرية.

صدى الطفولة
أول صورة تظهر في عقلي عندما أربط الكلمتين مع بعضهما: رمضان وطفولتي، هي الگرگيعان (القرقيعان) في البصرة ويعرف بـ"الماجينة" في بغداد. قبل منتصف الشهر نجهز أنفسنا لهذا الحدث. نصنع أنا وأخي وأختي الصغرى "طبولا" من علب الصفيح "علب حليب نيدو" نضع فيها شريطا ونعلقها كالقلادة حول أعناقنا، ونضرب عليها، ونحمل معنا أكياسا لوضع الحلوى فيها.

أمي كانت تشتري الحلوى الخاصة بهذه المناسبة، أكياس كبيرة من الحلوى، كنت أذهب معها أنا وأخي لشرائها ونخبر أصدقاءنا أن لدينا حلوى الـ"گرگيعان" في البيت. وبعد فطور منتصف شهر رمضان ننطلق في الشوارع، نضرب على طبولنا أمام بيوت الجيران في شارعنا، ونملأ أكياسنا -بعض الأمهات كانت تخيط أكياسا خاصة من قماش عادي لأولادها- وجيوبنا بالحلوى.

ويمشي معنا في احتفاليتنا هذه إذا صح التعبير جارنا المسحرجي، مع طبله الكبير ويغني معنا، أغنية خاصة بالگرگيعان. أجواء من الفرح، البساطة والحياة التي لا تحتمل أكثر من وجه واحد واضح. كأنها حلم.

المصدر : الجزيرة