في المحطة الرابعة برفقة عدد من الكتاب والمبدعين العرب، لتعرُّف طقوسهم في الإبداع والكتابة والقراءة خلال شهر رمضان الكريم، نسافر مع الكاتب التونسي المولدي ضو مؤلف رواية "سيرة معتوه" الفائزة بجائزة لجنة التحكيم بمهرجان "كومار الأدبي".

في هذا الشهر الكريم، يحن ابن مدينة قفصة (الجنوب الغربي) إلى ذكرياته مع جده الذي "كان أحرص الناس على أن يعلّمه كتابة النّص القرآني واستظهار الكثير من سوره". وتحضر ذكرى الجد بقوة لديه من خلال عادات ثابتة في القراءة تتمثل في تأمّل النّص القرآني خلال رمضان.

يأسف المولدي ضو لسيادة العادات الاستهلاكية في رمضان ويعدها عائقا أمام كل محاولة جادة للإبداع. ويفكر أحيانا في كتابات نقدية لاذعة حول تلك الأجواء لأنها "قادحة لنزعة معينة في الكتابة، ربما ظهرت في بعض أعمالي المقبلة". وفي ما يلي نص الحوار.

 كيف تتأثر طقوس الكتابة والإبداع لديك في شهر رمضان؟

    الكتابة وإن كانت تعتمد في جزء منها على الموهبة والهواية، فإنهما لا يمثلان إلا شيئا يسيرا من مكوناتها. فلكي يكتب المرء عليه دائما أن يكون مواكبا لمستجدات الحياة الثّقافية، ولا تتاح له فرصة الاطلاع والتّزوّد إلا في شهر رمضان.

ما يحفّ هذا الشّهر من سكينة نفس وراحة بال، تجعلني أقدرَ على الاطّلاع على كثير من الكتابات، ذلك أن الاطّلاع على الأعمال الأدبية الهامة من طقوس الكتابة أيضا، ولا غنى عنه لكاتب يرغب دائما في الإثراء وتجديد تجربته بروافد التجربة الإنسانية.

 إلى أي حدد تتغير عاداتكم القرائية (كما ونوعا) في شهر رمضان؟ وماذا عن قراءاتكم الرمضانية هذا العام؟
هناك عادات في القراءة تكاد تكون ثابتة عندي، ولا أظنني سأغيّرها يوما، أقصد بذلك تأمّل النّص القرآني خلال هذا الشّهر. أمّا بقيّة القراءات فتتبدّل وفق حاجاتي، ففي هذه السّنة على سبيل المثال أغلب ما أدرسه يدور حول بحثي الجامعي، ولا صلة له عموما بالرّواية لأنه متعلق بمسائل بلاغية لسانية.

 كيف تؤثر الأجواء العامة لشهر رمضان عموما على اهتماماتكم الأدبية والفكرية؟

   الأجواء العامة لهذا الشهر في أغلب المدن التونسية متشابهة، وكثير من المظاهر التي انتشرت وألفها النّاس لا صلة لها بما هو فكري أو أدبي. لذلك أحرص أن أبني عالمي الخاص ولا أشارك فيه إلاّ ثلة ممّن لهم اهتمامات فكريّة من أصدقائي. أنا على اعتقاد بأنّ أجواء هذا الشّهر كان يمكن أن تكون أحسن وأكثر إقبالا على ما هو روحاني فكري، لولا هيمنة الميول الاستهلاكية في المجتمعات العربية.

ما زلت حتى الآن متحيرا أمام ظاهرة تخصّ المجتمع التونسي والعربيّ عامّة، وهي تضاعف الاستهلاك المادّي في شهر الصّوم. هل ذلك من مقاصد هذه الفريضة؟ لماذا لا يتضاعف عندنا الإقبال على ما هو ذهني علميّا كان أم أدبيّا؟

الأجواء الرّمضانية في مجتمعاتنا بما يسودها من عقليّة استهلاك استشرت، وصارت عائقا أمام كلّ محاولة جادّة للإبداع. إنها تدفعني في كثير من الأحيان إلى التفكير في كتابات نقدية لاذعة. فالأجواء الرّمضانية في مجتمعاتنا قادحة لنزعة معينة في الكتابة، ربّما ظهرت في بعض أعمالي المقبلة.

 هل في البال أجواء طفولية يشدك الحنين إليها كلما حل شهر رمضان؟

  يشدّني الحنين في هذا الشّهر إلى ذكريات جميلة جدّا مع جَدِّي رحمه الله، كان أحرص النّاس على أن يعلّمني كتابة النّص القرآني واستظهار الكثير من سوره.

كان لرمضان ألقُه في بساطة جدّي، وشغفه الكبير بالعلم، وقد ظلّ لتلك المرحلة أثرها في ذاكرتي وفي طريقة كتابتي المسرحيّة خاصّة، إلى درجة أهديت فيها العمل كلّه إلى روح ذلك الشّيخ امتنانا وعرفانا.

أحاول بطريقتي الخاصّة أن أربّي ذرّيتي على تلك البساطة وإنشاء الألفة بينهم وبين النّص القرآني العظيم، لأنّي على اعتقاد بأن ذلك سيترك لهم من الأثر الطّيب ما ترك في نفسي، ولم يغيّره مرّ السنون واختلاف الأعصر.

المصدر : الجزيرة