أنطوان جوكي

كيف يمكن تفسير نفاد الطبعة الأولى من ترجمة المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل ديوان قيس بن الملوّح "مجنون ليلى"، بعد فترة قصيرة نسبياً على صدورها في فرنسا؟ سؤال يطرح نفسه اليوم إثر صدور طبعة ثانية من هذه الترجمة عن دار "أكت سود" الباريسية ضمن سلسلة "سندباد".

الجواب على هذا السؤال يكمن أولاً في قصة حب قيس وليلى التي تجاوزت شهرتها منذ زمن طويل حدود عالمنا العربي للانتشار في مختلف أنحاء العالم، موحيةً بأعمال أدبية وموسيقية وسينمائية وتشكيلية يصعب إحصاؤها.

يكمن الجواب أيضاً في قيمة الترجمة التي وضعها ميكيل لقصائد هذا الديوان وجاءت نتيجة جهدٍ فني ونقدي طويل وجبار يتجلى فوراً للقارئ، سواء من خلال المتعة المستشعَرة لدى قراءة هذه الترجمة أو من خلال المعطيات الغزيرة المتوفرة حول الديوان في مقدمة المستعرب المُحكَمة وأيضاً في الشروحات التي تحتل نحو مئة صفحة في آخر الكتاب وتشكّل خير معين لفهم قصائده.

في معرض تقديمه لشخصية قيس بن الملوّح، يشير ميكيل أولاً إلى الشك الذي يلفّ حقيقة وجوده، وبالتالي اختلاف التاريخ والأسطورة على قصته. فالتاريخ يقول إنه خلال النصف الثاني من القرن السابع الميلادي انتشرت في صحراء الجزيرة العربية قصائد تنشد حبا مستحيلا وأراد أصحابها، الذين ينتمون إلى قبائل مختلفة، أن يكونوا الأفضل في كتابتهم عن هذا الحب لاختبارهم إياه.

"مجنون ليلى" في نظر ميكيل هو الأكبر بين شعراء زمنه العرب الذين أنشدوا الحب المستحيل بمقاربته في قصائده هذا الموضوع حصراً لكن من مختلف زواياه وبتنويعات لا تحصى.

حقيقة أم خيال؟
أما الأسطورة فتسرد قصة شاعر شاب من قبيلة بني عامر يدعى قيس، لن يلبث أن يُفسِد حظّه في الاقتران بحبيبته وابنة عمه ليلى بإقدامه على إنشاد حبّه عالياً وفي كل مكان. فبخرقه قاعدةً أساسية في حياة البدو آنذاك تفرض على الحبيب كتم عواطفه تجاه حبيبته إلى حين الزواج منها، لصون شرفها، يدفع قيس عائلة ليلى إلى رفض اقترانها به وإلى تزويجها بالقوة من شاب آخر، فيجنّ ويقرر العيش مع البهائم في الصحراء، قبل أن يموت من الألم.

وسواء كان من لحم ودم أو شخصية مبتكرة، "مجنون ليلى" في نظر ميكيل هو الأكبر بين شعراء زمنه العرب الذين أنشدوا الحب المستحيل بمقاربته في قصائده هذا الموضوع حصراً لكن من مختلف زواياه وبتنويعات لا تحصى. أما نسْب بعض النقاد عدداً من قصائده إلى شعراء معاصرين له أو أتوا بعده، فيرى المستعرب أن سببه هو الشفهية التي زرعت الشك في هوية كاتب هذه القصائد.

ورغم الاختلاف على هذه النقطة، يعتبر ميكيل أن "مجنون" حيّ في القصائد المنسوبة إليه وأيضاً في تلك التي ينافسه عليها آخرون، وأن ذاكرة الشعوب التي تنسب إلى عرب البوادي مسألة ابتكار تلك الطريقة الراديكالية في الحب حتى الموت، تمنح وجوده مشروعية إضافية.

وزّع المستعرب قصائد هذا الديوان على ستة أقسام وفقاً لموضوعها الرئيسي، لكن من دون أن تفوته إمكانية العثور داخل كل قصيدة على المواضيع الستة التي تتحكّم في هذا التوزيع. وبالتالي، يهدف تقسيمه خصوصاً إلى توفير استراحات تساعد على قراءة الديوان الذي يحتل بالفرنسية نحو 500 صفحة.

أما في ما يتعلق بجهد الترجمة وخياراتها، فقد سعى ميكيل في مهمته إلى تجنّب عقبتين: الترجمة الحرفية التي تؤول أحياناً إلى مفاعيل معاكسة، والنقل المنهجي بخطورته وسهولته الخادعة، محدداً لنفسه رهاناً واحداً ومنطقياً: بما أن قصائد "مجنون" هي كلاسيكية في طبيعتها، جهد وتوفق في منحها هيكلا كلاسيكياً باللغة الفرنسية يسيّر بأمانة نبراتها وأصدائها.

من هنا اعتماده البحر "الإسكندري" الذي يعادل في طوله شطراً داخل بيت شعري عربي، ونظام القوافي الكلاسيكي الفرنسي لاستحضار القافية الوحيدة في قصائد "مجنون"، مع هامش صغير وضروري من الحرية للمحافظة على رشاقة البيت وإيقاعه ودلالاته.

المصدر : الجزيرة