هيثم حسين

يستمد التونسي أبو بكر العيادي قصص مجموعته "لعنة الكرسي" من واقع الحياة في بلده تونس، في فترة من تاريخه الحديث كان من سماتها -بحسب توصيفه في مقدمته- استشراء الفساد والفسق والقمع والتعذيب ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه ونهب المال العام والاستيلاء على أملاك الناس وأملاك الدولة والحكم الفردي المطلق.

يصف العيادي، المقيم في فرنسا منذ 1988، "لعنة الكرسي" (وليدوف، تونس 2015) بأنها تعبير عما يسميه جورج أورويل "الحياء المشترك"، أي ذلك الشعور الحدسي بأن ثمة أشياء لا يجمل بالمرء أن يأتيها إذا أراد أن يكون جديرا بإنسانيته ويحظى باحترام مواطنه.

ويرمز من خلال قصصه إلى أنّ تخلي السلطة عن دورها في حماية البلد إلى حماية النظام وبطانته الفاسدة، أخرجها من دائرة الدولة ومؤسساتها لتدخل حلقة العصابة، وتفكر بذهنية ضيقة تتعامل مع الأحداث من منطلق الإقصاء والتهميش والعداء.

يلفت العيادي إلى انقلاب القيم في المجتمع، بحيث يتهم البريء ويعاقب ويدفع إلى الاعتراف بجرائم متخيلة لم يقترفها، ويمكن أن يقضي فترة -قد تطول أو تقصر- في السجن جراء إقدامه على فعل ظنه حسنا، وإذا به ينقلب عليه وبالا. كحالة بطل قصة "اللقى" الذي عثر على حافظة نقود فيها وثائق تعود لأحدهم، فأراد أن يسلمها لقسم الشرطة، ليجد نفسه أمام استجواب يوقع به -وهو العاطل عن العمل، المثقف الذي يتهم بأنه معارض- ويلقى به في السجن مع المجرمين. ثم يقال له إنه بريء وإن اعتقاله كان على وجه الخطأ.

أبو بكر العيادي التونسي: قصصي ليست معزولة عن واقع منشئها (الجزيرة)

خلل وفساد
يشير صاحب "لابس الليل" إلى اتساع رقعة البلاء والهم في قصة "التهمة"، إذ تطول فترة السجن بالمثقف "سليمان الهادي" الذي حاول الإشارة إلى بعض مواطن الخلل والفساد في البلاد، وانطلق بحسن نية في نقده الذي افترض أن يكون موضوعيا وبناء، لكنه جوبه بعنف السلطة التي اتهمته بالتواطؤ والتدبير لانقلاب ضدها، ومن ثم نفيه بعد فترة سجنه الطويلة إلى منطقة نائية، وفرض إقامة جبرية عليه، وكل ذلك لأنه تجرأ على النقد والحلم بواقع أفضل.

ويتناول العيادي (1949/جندوبة) في معظم قصص مجموعته حيثيات تدمير البنية الاجتماعية، عبر تسليط الناس بعضهم على بعض. من ذلك مثلا، في قصة "الطياب" نجد سي عبد الرحيم يرضخ للضغوط الكثيرة التي يرزح تحت أعبائها إلى درجة أنه يضطر للتعاون مع الأجهزة الأمنية.

صورة الدكتاتور الملعون بعشق الكرسي لدى العيادي تتبدى مختلفة في سياق التفكير بالسلطة والكرسي، فتراه يلزم كرسيه ولا يبارحه، كأن تخليه عنه للحظة أو ابتعاده عنه سيفقده إياه، ويربط وجوده بوجود الكرسي نفسه، وكأنه يظل شبحا أو ظلا من دونه، والكرسي يكسبه حضوره ويمنحه قوته وسلطته.

يستنطق دكتاتوره الذي يتساءل وهو يرى جحافل المتملقين تسكنهم رغبة الحلول محله، ما إن كان الكرسي يستحق أن يتعذب هو من أجله، أن يسعى إليه بالتآمر والدسيسة والقتل، ويحرم نفسه من تنفس مباهج الحياة، من دون أن يخشى أي شيء.

يلعن بدوره تفكير من تسول له نفسه اعتبار الكرسي الغاية العليا، وأنه في الحقيقة ليس سوى لعنة مرسومة. وتكون خاتمة قصته محملة بالعبرة الواقعية، ومستشرفة جانبا من الأحداث التي وقعت تاليا، حين تخيَّل الدكتاتور حشدا يتقدمون باتجاهه، أيقن أنه طوفان لن يقنع باقتلاعه وحده، بل سوف يقتلع الكرسي ومن عليه.

يقول المؤلف إنه اختار أن يعمل قلمه في الاستبداد الذي جعل الفساد حالة عامة، وانتهج سياسة احتواء وتدمير تجاه المثقف، فأفرغه من طاقته على التعبير بحرية..

تدمير المثقف
وفي تصريح خاص للجزيرة نت، ذكر أبو بكر العيادي أنه جمع قصص مجموعته في البداية تحت عنوان "قصص محظورة" وكان يعتقد أنها لن ترى النور البتة.

ويلفت إلى أنه وجد نفسه، بعد أن قوبلت نصوصه الأولى بالرفض، أمام خيارات ثلاثة: إما أن يلوذ بالصمت إيثارا للسلامة، أو يواصل الكتابة بشكل موارب كنوع من التوليد في المعنى، فيستعين بالرموز والأقنعة والأساطير لفضح التجاوزات كما هي الحال في مجاميعه السابقة، أو أن يتخلص من الرقابة الذاتية في معالجة الأمراض المستشرية في جسد المجتمع، ولا سيما فئة النخبة. فاختار الحل الأخير، عملا بنصيحة الفيلسوف اليوناني  سيسرون حين قال: "فلنتعظْ بالحكماء الأوائل، ولنخدم بلادنا عن طريق كتاباتنا".

ويؤكد العيادي -في تصريحه للجزيرة نت- أنه اختار أن يعمل قلمه في الاستبداد الذي جعل الفساد حالة عامة، وانتهج سياسة احتواء وتدمير تجاه المثقف، فأفرغه من طاقته على التعبير بحرية، ودمر قدراته لخلق شروط الترقي، في قصص أقرب إلى الواقعية.

ويعتبر العيادي أن القصة، بما هي تشكيل حي لموقف من الحياة والنفس، ليست معزولة عن واقع منشئها، وهي -بما تتسم به من إيجاز وتكثيف والتقاط للتفاصيل- قادرة على اصطياد اللحظة والنفاذ إلى الصميم لكي تضع الإصبع على مكمن الداء، ولو بالإيحاء والتلميح، دون أن تزعم علاجه، لأن ذلك ليس من طبيعة الفن.

المصدر : الجزيرة