أمير تاج السر

أصبحت كتابة الرواية في السنوات الأخيرة تُستسهل بدرجة لا تصدق، وكل من أراد أن يُسمَّى مبدعا، كتب الرواية، دون غيرها من  فروع الإبداع الأخرى، مثل الشعر والقصة، بغض النظر إن كانت روايته حقا رواية، أم مجرد كلام بلا معنى ولا قضية ولا موهبة.

وشخصيا تحدثت عما سميته يوم الكاتب، وهو اليوم الذي تقيمه عادة دور النشر للكتاب حين يمولون كتابتهم، وذلك بإتاحة التوقيع في معارض الكتب، وسط الزهور والحلوى والابتسامات والأصدقاء، وهو بلا شك يوم بهيج جدا، ويشجع على إعادة الكرة، ما دام الشخص يستطيع تمويل نصه، وينشر مهما كانت وعكاته.

هذا الكلام الذي أكرره انطلاقا من غيرة على الكتابة كفن رفيع، وأمنيات عديدة أن يتحلى الكتاب الجدد بالصبر، ويلتحموا بتجارب من سبقوهم من الأجيال الأخرى، لعله فسر بأنه قمع للمواهب الجديدة، وتسلط عليها، برغم أن كثيرا من الشباب الجدد، أثبتوا وجودا كبيرا، وفاقت مبيعات أعمال بعضهم، مبيعات أعمال كتاب كبار، لا تذكر الكتابة إلا ذكروا، والآن هناك من يسألني دائما عن هذا الموضوع، ومن ينسبه إلى الدكتاتورية المبدعة بلا وجه حق.

في الحقيقة، كل ما يرد في الحوارات أو المقالات الصحفية للكاتب، يعبر أولا عن رأيه الشخصي، وثانيا عن قراءات استقاها بخبرة سنوات طويلة، وأوقات كثيرة قضاها في المتابعة، سواء بما يسعى هو للوصول إليه من كتابات حديثة، أو ما يصله من نتاج الأدباء الجدد باستمرار.

هناك من يكتب بموهبة، وذكاء، ودراية كبيرة، وهناك من يكتب بلا أي موهبة، ولا دافع، وغصبا عن تطلعاته الأخرى التي غالبا ما تكون بعيدة عن الكتابة

مبدعون حقيقيون
وأي حديث في هذا الشأن -لا بد- فيه استثناء لمبدعين حقيقيين ظهروا، وهذه حقيقة أن الأجيال كلها حتى حين كانت الكتابة عصية، والنشر صعبا جدا، وليس ثمة فضاء تتسكع فيه الخواطر، أو تسعى فيه الدعايات، ويمكن أن يتواجد فيه أصدقاء داعمون؛ كان فيها من يكتب بموهبة، وذكاء، ودراية كبيرة، وهناك من يكتب بلا أي موهبة، ولا دافع، وغصبا عن تطلعاته الأخرى التي غالبا ما تكون بعيدة عن الكتابة.

ولو تأملنا الإبداع العربي منذ الخمسينيات من القرن الماضي وحتى الآن، لميزنا وسطه أسماء محدودة تمكنت من الإجادة، ومهدت لاكتشافات إبداعية جيدة، تبعها آخرون، ولعثرنا أيضا على أقلام لم تكن مبدعة أبدا، وكتبت مجرد كتابة، لا يمكن تمييزها، ولا يقتدى بها، لمن أراد الاقتداء بكتابة.
إذن فالأمر موجود، ومتصل، ومهما علت أصوات غير المبدعين، فإن القراءة المتأنية لكل ما يطرح، يمكنها أن تكشف الجيد وغير الجيد.

بالنسبة للمبيعات الكثيرة لبعض الكتاب الجدد، والتي تنافس مبيعات كتاب كبار وتتفوق عليها، كما يردد البعض، فهذا مقياس عقيم ولا جدوى منه على الإطلاق، وحتى القراء أنفسهم وبشيء من التمرس، يعرفون أن ازدياد المبيعات لا يعني كتابا أفضل من كتب أخرى أقل منه مبيعا.

وحصول كتاب على جائزة ما، لا يعني أنه أفضل الكتب التي كانت تتنافس في تلك الجائزة، وأعرف كتبا أجنبية، حصلت على جوائز رفيعة مثل بوليترز وغونكور، وأخفقت في الحصول على رضا القارئ، وأيضا على جوائز أخرى تنافست فيها، بعد ذلك.

وفي موضوع الجوائز هذا، حقيقة لم يعد أحد يعرف شيئا أو يتكهن بشيء، فأي كتاب مهما كان سقيما وبلا قيمة، يمكن بسهولة أن يعثر على محكمين يرفعون من قدره، ويصيرونه ملكا للكتب، وآخر مليح وجيد، ويحمل قضايا مهمة، يتم تحطيمه ورميه في قاع المكتبات هكذا، وتشكل العداوات الثقافية، وحاسة التذوق، عادة، قنوات ممهدة لصالح الكتاب أو ضده.

لا مشكلة مع الكتابة الجديدة، ولا مع الكتاب الجدد للرواية، سواء أكانوا جددا يدخلون حقل الكتابة لأول مرة، أو شعراء وقصاصين وفنانين تشكيليين، وغيرهم، تحولوا لكتابة الرواية، مسايرة للموضة الإبداعية

الكتاب الجدد
لا مشكلة مع الكتابة الجديدة، ولا مع الكتاب الجدد للرواية، سواء أكانوا جددا يدخلون حقل الكتابة لأول مرة، أو شعراء وقصاصين وفنانين تشكيليين، وغيرهم، تحولوا لكتابة الرواية، مسايرة للموضة الإبداعية. فقط علينا أن نحصل على لمحة من الأعمال المكتوبة قبل اقتنائها، ومن ثم قراءة الكتاب أم عدم قراءته، وشخصيا أكتب بضعة سطور، من حين لآخر على أغلفة كتب حديثة أعجبتني، كي أقدمها للقراء من وجهة نظري، مبينا أهميتها وجمالها.

أيضا بالنسبة للكتاب الجدد أنفسهم في علاقتهم مع من سبقهم من الكتاب، هناك من يمتلك غرورا لا يشبه الكتابة لمجرد أنه حقق مبيعات ما، أو حصل على جائزة ما، فيصبح كل من سبقه في نظره كاتبا عاديا لم يقدم شيئا، وعلى مؤرخي الكتابة أن يبدؤوا منه. هذا نموذج موجود، وعرفت كتابا كهؤلاء، وبالطبع لا تعليق أكثر من أن الأمر لا يستحق كل هذا التشنج، ومجال الكتابة خاصة، مجال لا يأتي بثراء أو صيت عظيم إلا نادرا.

هكذا تتواصل الأجيال، ما يكون جيدا وجذابا عند هؤلاء يتم تقديره، وعند أولئك يتم تقديره أيضا، بمعنى أن الأمر كله في صالح الكتابة، أن يعبُر من خلالها الجيد إلى القراء ويبتعد غير الجيد، ولا يسرع أحد بنشر ما يكتبه حتى يتأكد أنه كتابة، وليس مجرد زي متأرجح للحروف ارتدته مسايرة للآخرين.

المصدر : الجزيرة