هيثم حسين

يتناول السويسري يوناس لوشر في روايته "ربيع البربر" التي تدور معظم أحداثها في تونس، بعض التغيرات التي اجتاحت الحياة في الجنوب التونسي في المرحلة التي أعقبت ثورة الياسمين، بالموازاة مع الصور النمطية التي تعشش في أخيلة كثير من الأوربيين عن الشرق وأهله.

يشير عنوان الرواية (منشورات العربي للنشر والتوزيع، ترجمة د. علا عادل، القاهرة 2016م) إلى الربيع العربي، الذي يقول الروائي في مقدمته للترجمة العربية إنه فاجأه وهو في منتصف العمل، وأراد توظيفه، وإنه ورد في عمله بصيغة ربيع عربي ثان خيالي، كما يعبر عن اقتناعه بأن الثورة ظلت عالقة في منتصف الطريق.

يلفت الكاتب يوناس لوشر إلى أنه يتناول نظرة غريبة وخاصة عن تونس، نظرة السائح الأوروبي الثري الذي لم يعايش هذا البلد الغريب عنه إلا عبر ألواح الزجاج الداكن في حافلة الرحلات المكيفة، أو من وراء الأسوار العالية لأحد المنتجعات السياحية الفاخرة، حيث لا ينبغي أن يظهر ما هو عربي إلا بوصفه شيئًا غريب الأطوار وعلى سبيل قطع الديكور للزينة، بينما يبقى الاتصال بالمواطنين التونسيين محدودًا.

تشكل بعض أحداث الثورة التونسية خلفية تاريخية وزمنية للرواية التي يتقصى فيها الروائي بعض جوانب الفساد، والحيل والخدع التي كان يلجأ إليها عدد من رجال الأعمال في سبيل مضاعفة ثرواتهم على حساب إفقار الناس، من دون إيلاء أي اعتبار لحقوق العمال، والأسوأ من ذلك استخدام الأطفال عمالة رخيصة بطريقة غير قانونية.

يتناول لوشر نظرة غريبة وخاصة عن تونس، نظرة السائح الأوروبي الثري عبر ألواح الزجاج الداكن في حافلة الرحلات المكيفة، أو من وراء الأسوار العالية لأحد المنتجعات السياحية الفاخرة

فساد وأوهام
بطل الرواية هو رجل أعمال سويسري اسمه "برايزينج"، يكتفي بدور المراقب الدائم لما يشهده، مهما بلغ ما يشهده من درامية واختلاف، ولا يتخذ قرارا بالمبادرة أبدا، ويبدو وفيا لما تربى عليه من التزام الحياد إزاء الأفعال والأحداث، يلبي دعوة رجل أعمال تونسي (سليم مالوخ) له بقضاء أسبوع في منتجع سياحي في واحة "تشوب" في جنوب تونس بمنطقة البربر، تديره ابنته سعيدة وترتاده الطبقة المخملية من السياح الأجانب. 

يشير الروائي إلى أن عدم الفعل هو موضوع كتابه، وهو أحد الأعراض المرضية لعصرنا، بحسب وصفه. وتراه يثير أسئلة عن الهمجية والتحضر في عمله، وذلك أثناء جمع العشرات من الأوروبيين الأثرياء في مكان واحد، ويكون معهم في الظل عدد من أبناء البلاد الأصليين، تكون السلوكيات الهمجية للسياح مثيرة للقرف، يتصرفون وكأنهم في مكان مستباح، وبطريقة فجة ووقحة.

ينقل لوشر استعدادات حفل زواج اثنين من أبناء الأثرياء الإنجليز هما "مارك" و"كيلي"، إذ يجتمع عدد من أصدقائهما القادمين من لندن في المنتجع، ليقيموا احتفالا أسطوريا للعروسين يناسب خيالاتهم وأوهامهم عن الشرق وليالي ألف ليلة وليلة.

في مقابل تلك الأزمة العاصفة تكون الثورة متصاعدة وفي طريقها إلى النجاح، وكأن ربيع الشعوب يحمل بشارات إنهاء حكم الشركات المتوحشة التي تعيش على الأعمال المشبوهة وتحتمي بأقنعة تجارية لتكون واجهات براقة تخبئ فسادها المتغول.

أخيلة استشراقية
يرمز الروائي من خلال شخصية رشيد إلى قوة الشباب التونسي الضائعة، وإلى طاقتهم المهدورة، يكون في خدمة السيد مالوخ وابنته سعيدة، يحرس السياح الأجانب ويسهر على راحتهم، في الوقت الذي يضيع فيه شبابه ومهارته ولا يحقق أي إنجاز لنفسه أو شعبه وهو مسخر في خدمة الآخرين.

ينقل لوشر مشاهد من سيطرة الشباب التونسي على القصور المترفة للرئيس الهارب، بالموازاة مع مشهد استلقاء "سعيدة" مديرة المنتجع السياحي على الأرض، وهي في حالة مزرية بائسة، في إشارة إلى استرداد الشعب جزءا من حقوقه المستلبة المنهوبة. 

يراقب السائح السويسري مشهد دعس حافلة على الطريق مجموعة من الإبل، وكيف أن راعيها ينشج بطريقة درامية مؤثرة، لكن السائح لا يتأثر للمشهد ولا يوليه أية أهمية تذكر، يحاول المحافظة على هدوئه، يرسم الحياد في مجزرة الإبل، ولا يعدم اختلاق ذرائع واهية وتبريرات متفلسفة ليقنع نفسه بأنه فعل الصواب حين فضل عدم التدخل في المسألة، وعدم محاولته إنقاذ الراعي الذي خسر مصدر رزقه وأسرته.

ينقل لوشر مشاهد من سيطرة الشباب التونسي على القصور المترفة للرئيس الهارب، بالموازاة مع مشهد استلقاء مديرة منتجع سياحي على الأرض، إشارة إلى استرداد الشعب جزءا من حقوقه المستلبة المنهوبة 

عالم مزيف
يماهي الراوي بين الرجل المنكوب بمصيبة فقده لإبله وقارة أفريقيا المنكوبة بالفقر والطغاة، ويقنع نفسه بذرائع واهية، منها أن مساعدته المالية المتخيلة للراعي قد تتسبب في إصابته بالشلل، وقد تسلبه إمكانية تحرير نفسه من فقره، والإقدام على خلق مستقبل لنفسه، انطلاقًا من القوة الكامنة بداخله، بالإضافة إلى حجج أخرى تتعلق بطرق الشراء ونقل الأموال. 

تحضر بين الفصول صور الجمال وأشجار النخيل، كما يستقي من الصحراء بعض وجوهها التي يرغب السائح الأوروبي في مشاهدتها، لتعكس تصوراته المسبقة وأخيلته الاستشراقية عن عالم يريده مرسومًا على هواه، لا كما هو في حقيقة الأمر.

يصور لوشر الانقلاب على أركان العالم المزيف وقوانين السوق العالمية والتجارة العابرة للحدود وألاعيب الشركات المتعددة الجنسيات وهيمنتها على العالم بطريقة بربرية وحشية، كما يصور أزمة مالية تداهم لندن، وتعلن البنوك الإنجليزية إفلاسها، ويقع السياح في المنتجع في شر أعمالهم، يفيقون من سكرهم ونشوتهم على وقع خسارات البورصة وإعصار الأزمة المالية.

يشار إلى أن لوشر يكتب بالألمانية، وقد لد في برن عام 1976، وعمل في التعليم والسينما والصحافة، وحصل على جائزة "بيرنر" للأدب عن روايته الأولى "ربيع البربر" (2013)، وحاز جائزة الكتاب الألماني في القائمة الطويلة عن الرواية نفسها.

المصدر : الجزيرة