كمال الرياحي-تونس

يبقى الأدب الإيطالي على أهميته من أقل الآداب حضورا في المكتبة العربية، فاكتفينا بترجمة مورافيا أو أمبرتو إيكو، رغم أن هذا الأدب سليل "الديكامرون" لجوفاني بوكاشو، ذلك الكتاب المؤسس للأدب الإيطالي الذي اعتبر بمثابة "ألف ليلة وليلة" الإيطالية.

وما ينفك ذلك الأدب يقدم أصواتا جديدة مهمة تكشف فداحة تجاهله من المترجمين العرب، ومن حسن الحظ أن روايات جديدة ترجمت هذا العام من لغة دانتي، من أهمها "حب في سردينيا" لميلينا آغوس ترجمة نبيل رضا المهايني عن دار الساقي، وهي رواية ترجمت لثلاثين لغة قبل وصولها للغة الضاد.

يدور جزء مهم من هذه الرواية في الحرب العالمية الثانية وما لحقها بعد ذلك، وهي من نوع ما يطلق عليه بالرواية العائلية أو روايات الأجيال، ترويها حفيدة البطلة بشكل تنازلي من حكاية الجدة إلى حكاية الأب وصولها إليها، في إيقاع سردي غارق في موسيقى منبعثة من بيانو حبيب الجدة وبيانو الأب وكمان الأم، هادئة أحيانا، هائجة أحيانا أخرى كما أنغام شوبان وبيتهوفن وديبوسي التي يسمعها الأبطال.

تروي حكايات حب غريبة تفتتحها جدة الراوية بحبها لشاب إيطالي عائد من الحرب، عازف بيانو تعرفته في حمامات صحية ذهبا إليها للاستشفاء من مرض الكلى المتفشي أثناء الحرب بسبب أزمة مياه الشرب.

يدور جزء مهم من هذه الرواية في الحرب العالمية الثانية وما لحقها بعد ذلك، وهي من نوع ما يطلق عليه الرواية العائلية أو روايات الأجيال، ترويها حفيدة البطلة بشكل تنازلي

حكاية امرأة تمسكت بالحب في زمن الحرب، وبالمعنى في زمن العدم، فظلت تنتظره سنوات متحدية واقعا ذكوريا محافظا أجبرها على الزواج برجل لا تحبه يقضي حياته في دور الدعارة والقمار والسياسة.

تكتب الرواية إذًا مناخات الحرب العالمية الثانية وما تلاها من خلال نفسيات الإيطاليين وواقع الفقر المدقع. ترصد لحظات السعادة والفرح القليلتين التي تسرق لمقاومة الموت والعدم الذي خلفه النظام الفاشي بعد أن زج بالبشر في حرب مجنونة كان أهالي سردينيا يتابعون أخبارها عبر "إذاعة لندن".

واقعة الحب
تقرن الروائية في هذا النص الحب بثقافة المشاركة، فتقيم مقارنة بين سلوك الزوج جد الراوية والحبيب الطارئ اللذين كانا يطالعان نفس الجريدة ونفس المقالات، غير أن الجد كان يقرأ وحده، بينما الحبيب يقرأ بصوت عال على حبيبته ويسألها رأيها ويصغي لتحليلاتها ويترك لها اختيار طريق العودة إذا ما خرجا للتجول في المشفى.

هكذا تعيدنا آغوس إلى الصورة الرومانسية الأنثوية لسردينيا لما بعد الحرب التي أثقلت الفضاء بذكورية خطاب تغول بفعل ثقافة البنادق والمدافع.

تبدو استعادة الحب في الرواية بمثابة إعلان عن نهاية الحرب، فالشخصية لم تبال بالإعلان الرسمي عن انتهاء الحرب عبر الإذاعات، بل ذهبت الروائية لتتفيه الخبر بربطه بعيد ميلاد الجد الذكوري، مغتصب الحب ورمز الرذيلة في معناها الذكوري العميق نزيل دور الدعارة.

تستعيد الكاتبة صورة الأمير في الأساطير، رجل السلام والحب الذي يعيد تمكين الأميرة مكانها في المكان لإحراج الصورة البشعة رجل الحرب ورجل الانتهاكات والاغتصابات والقتل. لذلك تمر أخبار القصف والقتل وبتر الأطراف مرورا باهتا، فهي العادي واليومي، لكن الحدث الذي يغير المكان والتاريخ والعالم هو واقعة الحب.

تتوغل الراوية في وصف رومانتيكي محتف بالأشياء والتفاصيل بما في ذلك الارتعاشات الصغيرة للنفس البشرية مؤكدة بذلك الأسلوب احتقارها لوقائع الحرب وأهوالها

أسلوب الجدة
تنتهج الكاتبة أسلوبا كلاسيكيا في السرد القائم على الاسترجاع عبر صوت مفرد هو صوت الراوي العليم: حفيدة الجدة لتروي تاريخ الأسرة، ولكنها  تستعير من الجدة في خيالنا الحكائي أسلوبها لتروي وتخبئ التفاصيل لتفاجأ بها بين الحين والآخر في لعبة سبق وإضمار وقفز واسترجاع.

وتتوغل الراوية في وصف رومانتيكي محتف بالأشياء والتفاصيل، بما في ذلك الارتعاشات الصغيرة للنفس البشرية مؤكدة بذلك الأسلوب احتقارها لوقائع الحرب وأهوالها.

رواية "حب في سردينيا" التي تحولت مؤخرا إلى فيلم ينافس في المهرجانات الدولية هي عمل سردي عن الأدب والموسيقى تلتفت فيها الكاتبة إلى الأدب الإيطالي تحاوره وتداوره من خلال تعلق شخصياتها بالأدب والموسيقى.

في تلك المحاورة تستدعي الرواية، التي وصفتها "لوفيغارو الأدبي" بالاستعارة البارعة للسطوة التي يمارسها الخيال على الواقع، نصوصا أخرى لإميليو سالغاري وجحيم "دانتي أليغيري"، من خلال قصة الحب الخرافية التي جمعت بين "باولو وفرانشيسكا" اللذين قتلا شهيدي الحب.

المصدر : الجزيرة