أيمن الزبير-مدريد

يستضيف المتحف الوطني الإسباني للآثار أكبر معرض مؤقت لآثار شبه الجزيرة العربية في أوروبا، وهو يضم قطعا تمثل نتائج عقدين من الأبحاث الأثرية، مما يسمح بتسليط الضوء للمرة الأولى على تاريخ بلاد ماجان.

وجاء ذكر ماجان في نصوص قديمة ببلاد ما بين النهرين، قادت حاليا إلى بدء الحفريات بشبه جزيرة عُمان ما بين إمارة الشارقة وسلطنة عمان، حيث شارك في البحوث فريق من علماء آثار جامعة "أوتونوما" في مدريد، والتي قدمت معلومات قيّمة عن الحياة هناك ما بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد.

وينقسم المعرض إلى منطقتين، تضم أولاهما 180 قطعة أثرية تعود لأصول تاريخ بلاد ماجان في أدنى العصر الحجري القديم، وصولا لفترة ما قبل الإسلام في القرن السابع الميلادي، ومنها قطع تقدم تصورا عن الزينة الشخصية وإنتاج السيراميك في العصر البرونزي والكتابات الأولى، كما تكشف بعض القطع عن وجود تبادل تجاري مبكر مثل الجرار اليونانية والمرمر اليمني.

ويضم القسم الثاني مجسمات تمثل الحياة القديمة، وستين قطعة مختارة من نتائج الحفريات الإسبانية في منطقة المدام في الشارقة، تسمح بالتعرف على الحياة فيها خلال العصر الحديدي.

كوردوبا: سكان المنطقة يقدمون درسا في التأقلم مع الظروف البيئية (الجزيرة)

تكيف بيئي
وقال أستاذ تاريخ الشرق بجامعة "أوتونوما" خواكين ماريا كوردوبا للجزيرة نت إن المعرض يقدم لإسبانيا وأوروبا للمرة الأولى حضارة بلاد ماجان التي قيل في كتابات بلاد الرافدين إنها كانت مصدرا للثروة، ولم تُكتشف آثارها إلا في الأعوام الثلاثين الماضية، حيث كانت الشارقة الحالية بمثابة قلب تلك المنطقة.

وأضاف أن القطع المعروضة من مدينة مليحة توضح أنها كانت ذات أهمية كبيرة تعادل مدنا معروفة مثل البتراء وتدمر، كما كانت ممرا للقوافل.

وأشار كوردوبا إلى أن الحفريات الإسبانية كانت في بلدات تعود إلى العصر الحديدي الذي تزامن مع حضارات عظيمة كالبابلية والآشورية والأخمينية، وكشفت كيف استطاع سكان بلاد ماجان -الذين كانت لهم حضارة لها ديناميكيتها الخاصة- العيش ثمانمئة عام على حدود منطقة صحراوية وعرفوا كيف يزرعون ويبنون منازلهم ويستخدمون الموارد المحدودة.

وأكد أن سكان المنطقة تكيفوا بصورة مدهشة مع ظروفها، وأنه عندما كان يقل هطول الأمطار على جبال الحجر وينخفض منسوب المياه الجوفية كانوا يتنقلون كالبدو الرحل بين الواحات، وعندما يرتفع منسوب المياه يستقرون، معتبرا ذلك درسا في التأقلم مع ظروف الحياة والتكيف مع البيئة.

وأبرز كوردوبا أهمية الاكتشاف الإسباني لكيفية صناعة سكان المنطقة للطوب رغم وجودهم على أطراف الصحراء دون وجود طمي، فكانوا يستعملون طبقة الصخور الواقعة تحت الرمال في المناطق المبتلة بالمياه، مما حافظ على الآثار المبنية إلى الوقت الحاضر.

ثيرو: سبب اختفاء الحياة بتلك المنطقة يعود إلى هبوط منسوب المياه والجفاف (الجزيرة)

صيد ونسيج
من جهتها، أشارت أستاذة قسم التاريخ القديم بجامعة "أوتونوما" كارمن ديل ثيرو إلى أن دراسة أنثروبولوجية للبصمات على الطوب أوضحت أنها تعود لأطفال ما بين الرابعة والحادية عشرة من العمر يرافقهم أشخاص بالغون، وأن هذه المنطقة يعود تاريخها إلى عام ثمانمئة قبل الميلاد، وأنه من النادر العثور على مثل تلك المنشآت في علم الآثار.

وقالت ثيرو إن القطع المكتشفة أوضحت أنه كان هناك اهتمام كبير بالصيد نظرا لكمية رؤوس السهام المكتشفة، وكذلك بالنسيج لوجود أدوات للحياكة والنسج.

وأبرزت أنه رغم بعد منطقة الحفريات الإسبانية عن الساحل فإنه كان من المفاجئ العثور على بقايا صغيرة للأسماك والقشريات البحرية، مما يشير إلى أنه على الرغم من عدم وجود نشاط للصيد فإن السكان يفضلون موارد البحر ويسافرون إلى الساحل لإحضارها.

وأوضحت أن سبب اختفاء الحياة هناك يعود إلى هبوط منسوب المياه وحدوث جفاف حاد لفترة طويلة، وأن سكان المنطقة تركوها بهدوء لأنهم لم يستطيعوا مواصلة العيش فيها، حيث لم يُعثر على آثار تدمير أو حرائق.

المصدر : الجزيرة