المحفوظ فضيلي

في الحلقة الـ26 من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي" يرى الروائي والشاعر الأردني جلال برجس أن "أخطر نتائج ما سمي بالربيع العربي أنه أزاح  الستار عن كثير من عيوبنا التي كانت عبارة عن قنابل موقوتة" في إشارة للعنف والتطرف والطائفية.

ويقول صاحب رواية "مقصلة العالم" إنه ليس هذا هو الربيع الذي حلمنا به، بحيث تؤثثه الديمقراطية، لا الاقتتال والنزوح وتمزيق الأوطان، وتعلى فيه رايات العدالة الاجتماعية، لا التهميش والنفي والقتل على أسس عرقية ومذهبية، وقبلية".

وعلى ضوء انحراف بعض انتفاضات الربيع العربي أو اختطاف بعضها ، لا يتردد برجس (46 عاما) الذي يشتغل أيضا في المجال الإعلامي، في القول إنه لا يرى دلائل أو إشارات إلى أن أحلام الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية سوف تتحقق على أرض الواقع بهذه المرحلة. وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

  كمؤمن بحتمية المآلات التي لا بد أن تشكلها معاناة الشعوب، توقعت أن يوما ما سيجيء حاملا معه رفض الشارع العربي لما يغيب حريته وكرامته، ويسلب كل آماله بزمن عربي جديد خال من القمع.. فحجم الاحتقان الشعبي آخذ بالتزايد والهوة بين الأنظمة العربية وبين الشعب. كان لا بد أن يقود إلى الانفجار.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا؟

  لسنين طويلة حمل الإبداع العربي الحقيقي الملتزم بقضايا الإنسان -وما يزال- هم الفرد، وما يسعى إليه. وتجلى ذلك في كثير من الأعمال الإبداعية تجرع كثير من أصحابها ورموزها مرارة النفي والاعتقال، والإقصاء والاغتيال بكل أشكاله.

 لم يأت خروج التونسيين -بشكل خاص- إلى الشوارع، ورفض كل أشكال الممارسات التعسفية والقمعية للسلطة وتغول عناصرها على قوت الشعب وحريته من فراغ. لكن نسبة مساهمة الإبداع في تشكيل الوعي العربي نحو ثقافة الحرية لم تكن بالدرجة العظمى التي كان يفترض بها أن تجنب مشهدنا العربي في هذه الأيام الاقتتال والدم والطائفية والتطرف التي لم يتوقعها من خرجوا إلى الشوارع يطالبون بزمن جديد.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

  بعد اختطاف آمال الشعوب في صناعة مستقبلها، من أكثر من جهة، وبعد تكشف كثير من الحقائق، بحيث صار المدى أكثر وضوحا، بأن عقلية المؤامرة أمدت يدها في المكون العام لتك الانتفاضات، صار كثير من المبدعين العرب لا يرون فيما حدث ربيعا بل فوضى لم تقدم لمن حلموا بمستقبل مشرق إلا العتمة.

البلاد العربية تمر بأكثر المراحل خطورة وفوضى واستلاب، وقد باتت مرشحة للتقسيم، بل للتمزق أكثر مما هي عليه الآن. فليس هذا هو الربيع الذي حلمنا به، بحيث تؤثثه الديمقراطية، لا الاقتتال والنزوح وتمزيق الأوطان. وتعلى فيه رايات العدالة الاجتماعية، لا التهميش والنفي والقتل على أسس عرقية ومذهبية، وقبلية.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسار؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

  بطبيعة الحال حينما يرى المبدع العرب، حجم الدمار في بعض البلدان العربية في الآونة الأخيرة، وكل ذلك المشهد الغرائبي التراجيدي، ستصبح القراءة مشوشة، وغير واضحة فيما يخص الأيام القادمة وما تحمل معها.

أرى أن تلك الانتفاضات قد اختطف بعضها، وحرف مسار البعض الآخر. وباتت المنطقة العربية ملعبا بلا حراس مرمى، تسجل فيه فرق كثيرة أهدافا لصالح مساعيها على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية

فلا شيء يفضي إلى أمل جديد على الأقل في المرحلة المقبلة. فقد تقدمت كلمة الطائفية إزاء كلمة التعايش على أسس إنسانية، واحترام الاختلاف. وتقدم الخطاب المتطرف على الاعتدال. فالدم مشهد يومي، إذ يقتل الإنسان الإنسان بدم بارد. والبارود لهجة تطال كل شيء، حتى الحجارة. فالانكسارات سادرة في الأفق العربي، علينا أن نعترف بذلك، هذا إن حلمنا من جديد بتجاوز هذه المرحلة.

على أي مدى -متوسط أو بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي (حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية) ستتحقق على أرض الواقع؟

لست صاحب نظرة تشاؤمية، لكن دلائل ما يجري لا تشير بأي شكل من الأشكال إلى أن ديمقراطية وبالتالي عدالة اجتماعية وحرية سوف تتحقق على أرض الواقع في هذه المرحلة، لأن من أخطر نتائج ما سمي الربيع العربي أنه أزاح  الستار عن كثير من عيوبنا التي كانت عبارة عن قنابل موقوتة. وهذا العيوب وجدت فرصة للظهور في مرحلة ما بعد انهيار بعض الأنظمة العربية، وهو ما قوض خيار الحوار، أهم فروض السعي إلى الديمقراطية الحقيقية.

وهنا لا أرمي إلى أن انتفاضة الجموع التي خرجت إلى الشوارع تنادي بمساعيه، قد أتت في مرحلة ليست مناسبة، بل أرى أن تلك الانتفاضات قد اختطف بعضها، وحرف مسار البعض الآخر. وباتت المنطقة العربية ملعبا بلا حراس مرمى، تسجل فيه فرق كثيرة أهدافا لصالح مساعيها على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية.   

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات لأن يؤدي دورا ما في تحقيق تلك الأهداف؟

  بالتأكيد أنه كان للإبداع دور في تشكيل وعي شريحة ما من شرائح الوطن العربي حيال اجتراح المستقبل والآمال. لكن هنالك مناطق مظلمة بقيت بعيدة عن شموس ذلك الوعي.

فتغول السلطة على حرية التعبير على مدى سنين طويلة خلق أدبا وفكرا مهادنا. وهذا المخلوق المهادن أدى إلى حرمان شريحة كبرى من المواطنين العرب من الرؤى والتصورات التي كان لها أن تجنب المنطقة ما تفاجأنا به مختبئا عبر كل تلك الحقبة الماضية من تطرف وإرهاب وطائفية وعنف.

المصدر : الجزيرة