هيثم حسين

"هذا الكتاب اللاذع في انتقاده للرجال الذين خلقوا السياسة التي أزهقت كل هذه الأرواح العراقية -ومعظمهم من المعارف والأصدقاء أيام "المعارضة" في التسعينيات- هو كل ما أستطيع القيام به لأكفر عن ذنوبي". هذا ما يدونه العراقي كنعان مكية في كتابه "هوامش على كتاب "الفتنة"، الذي نشره بالتزامن مع روايته "الفتنة" الصادرة حديثا.

أراد مكية لروايته "الفتنة" أن تكون رواية التكفير عن الذنوب، ونشر غسيل الطبقة الطائفية السياسية الحاكمة في العراق، فضح الارتهان البغيض للانتماء الطائفي على حساب الانتماء الوطني للعراق. ركز على النخبة السياسية والدينية الشيعية الحاكمة في العراق، وولائها المطلق لإيران على حساب العراق، وتواطئها فيما بينها للتنكيل بالآخرين بمختلف السبل المتاحة.

يتخذ مكية، وهو أكاديمي عراقي يدرس بالجامعات الأميركية، من حادثة اغتيال وتصفية رجل الدين الشيعي مجيد الخوئي من قبل أتباع مقتدى الصدر -حسب الكاتب- في 10 أبريل/نيسان 2003 منطلقا ومرتكزا لأحداث روايته، ذلك أن تلك الحادثة تزامنت مع إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وخروجه من بغداد، أي أن ذاك اليوم يحمل رمزية كبيرة على مختلف الصعد. 

بطل الرواية عنصر في جيش المهدي الشيعي يروي حكايته حين اختير ليرافق صدام في يوم إعدامه، ويكون شاهدا على ما حصل ليلتها. يصور الطريقة التي تم بها الإعدام، وتلك المقاطع التي سربت للإعلام، وينتقل في فصل آخر للحديث عن الحبل الذي أعدم به صدام، وتفكيره قبل عملية الشنق وبعده، والغايات المبيتة والمعلنة من عملية الشنق التي تمت فجر عيد الأضحى في 30 ديسمبر/كانون الأول 2006.

يصور مكية صدمة الراوي بنفسه ومحيطه، إذ يدور سجال بين الراوي وصديقه حيدر عن الحادثة وملابساتها، واختلاف وجهات النظر حيالها، والعودة إلى التاريخ لاستدراج بعض الوقائع منه ومقاربتها بطريقة رغائبية.

كما يكون هناك تركيز على أولئك العراقيين الذين رجعوا إلى العراق بعد الاحتلال، سواء أكان أولئك الذين رجعوا على ظهور دبابات أميركية ليحكموا، أو أولئك الذين رجعوا حبا ببلدهم ورغبة في خدمته بعيدا عن البحث عن أية سلطة أو امتيازات أو فساد.    

يتماهى مكية مع راويه في تصوير الفترة الواقعة بين 2003 و2006 في العراق، تلك الفترة الهامة من تاريخ العراق الحديث، وتاريخ المنطقة برمتها. يتحدث كيف صدمته الكارثة، ويذكر مشاهداته من التدمير الذاتي لفكرة العراق من قبل أبنائه، وكأن لا مكان للبلد الأم في مخيلتهم السياسية الجديدة.

يذكر أن ذلك الدمار الذي أخذ طابعا نفسيا وأخلاقيا وسياسيا، فرض عليه أن يتساءل عن أصوله.
يرصد مكية جوانب من المؤامرات والدسائس والفساد المستشري، كما يصور كيفية التخلي عن فكرة بناء الدولة لصالح بناء عصابات طائفية، وكيف أن الانطلاق من المظلوميات دفع أصحابها إلى أفعال انتقامية ساهمت بتفتيت بنية الدولة وضربت فكرة المواطنة والوطن في الصميم.

يغوص صاحب "القسوة والصمت" في سرد تفاصيل من داخل البيت الشيعي العراقي، والخلافات السياسية والمصالح التي تقود القادة الشيعة في العراق. ويعتبر أن روايته تبحث في الشخصية والأخلاق في السياسة، وليس في الأحداث فقط، كما تحاول أن تتناول تقلبات الأفكار في الحقب الحرجة في حياة الأمم.

يعيد مكية شخصية صدام المتخيل إلى الحياة، يستنطقه، يمنحه سلطة جديدة ليكشف عن آرائه ويبرر ما يقوم به من جرائم وأفعال، ويتحدث عن مزايا الديكتاتورية، وضرورة التحلي بالقوة والجرأة حين اتخاذ القرارات وتطبيقها، ويتبدى صدام المتخيل متصالحا مع نفسه وجرائمه، يضفي عليها قداسة معينة.

رواية "الفتنة" هجاء سياسي بامتياز للممارسات الشائنة التي تتم باسم الوطن، وتحمل في حقيقتها إساءة كبرى للوطن نفسه، وهجاء لأولئك الذين انغمسوا في لعبة الفساد وساهموا بدفع عجلة التدمير.. وهجاء للذات قبل الآخر

خيانة بالجمع
تحضر الخيانة بصيغ شتى في الرواية، يقول "هكذا هي الخيانة، أصولها إنسانية". فهناك المجير الذي يخون المستجير به، المتمثل في اغتيال الخوئي، وهناك السياسي الذي يخون وطنه ويرهن نفسه للخارج، وكذلك خيانة رجال الدين للأمانة بالتغطية على مقتل الخوئي، ومن ثم تحاشي مواجهة القاتل واتهامه. بالإضافة إلى صور أخرى للخيانة، كخيانة الصديق والجار والمواطن، والقتل على الهوية والشكوك، ومحاولة تشويه الحاضر وتلويث المستقبل بالضغائن والانتقامات.

لعل بالإمكان توصيف رواية "الفتنة" بأنها هجاء سياسي بامتياز، هجاء للممارسات الشائنة باسم الوطن، وتحمل في حقيقتها إساءة كبرى للوطن نفسه، وهجاء لأولئك الذين انغمسوا في لعبة الفساد وساهموا بدفع عجلة التدمير قدما إلى الأمام وهيؤوا لتشكيل أرضية حاضنة له، كما أنها هجاء للذات قبل الآخر.

بمقابل روايته "الفتنة" يبرز (هوامش على كتاب "الفتنة")، الذي يذكر بكتاب الإيطالي أمبرتو إيكو "حاشية على اسم الوردة"، مثيرا للاهتمام، ويتبدى حاملا لاعترافات صاحبه، تراه كمن يوجه بوصلة القارئ، ويحامي عن أفكاره ونفسه.

كما يستعيد أجزاء من سيرته الذاتية ومواقفه وكتبه السابقة، وذلك في مسعى لمنح مفاتيح لقراءة نصه، أو تفكيك بعض شيفراته، تسليط الأضواء على الخلفيات التاريخية والشخصية لبعض الأحداث الواردة فيه، باعتباره كان شاهدا على كثير من الأحداث ومعاصرا لها، ومساهما في بعضها.

المصدر : الجزيرة