عثمان كباشي

أنجز اليهود والنصارى مع القرون الأولى للإسلام حتى عصر النهضة عددا من ترجمات الأسفار الكتابية المقدسة إلى اللغة العربية، لكن تلك الترجمات بقيت إلى وقت قريب مهملة لدى المؤرخين وعلماء "الكتاب المقدس".

وفي روايته لقصة هذه الترجمات يسلط سيدني غريفيث في مصنفه "الكتاب المقدس باللغة العربية-نصوص أهل الكتاب بلغة الإسلام" المزيد من الضوء على التحول الكبير والحاسم في الحياة الثقافية والدينية لليهود والنصارى الذين عاشوا في البلدان الناطقة باللغة العربية.

مؤلف الكتاب هو سيدني غريفيث أستاذ الأدب واللغات السامية والمصرية القديمة بالجامعة الكاثوليكية الأميركية، ومجال اهتمامه الرئيسي هو المسيحية العربية والرهبنة السريانية في القرون الوسطى، والتداخل المسيحي الإسلامي والحوار بين الأديان. وقد تولت نشر الكتاب جامعة برينستون الأميركية الشهيرة، وظهرت طبعته الأولى (272 صفحة) في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

ويورد الكتاب أن نصوص الأسفار الكتابية في عصور ما قبل الإسلام كانت منتشرة شفويا في الأوساط العربية، وبعد ظهور الإسلام عمد اليهود والنصارى إلى ترجمة أسفار العهد القديم (المقرا) والعهد الجديد من العبرية واليونانية إلى اللغة العربية بغرض الاستخدام الشخصي، ثم شهد العالم الإسلامي ابتداء من القرن التاسع الميلادي تدفقا للترجمات العربية.

جاءت ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية في القرن الثامن الميلادي، في إطار حركة ترجمة شملت مجالات أخرى مثل الفلسفة والمنطق

تفاعلات دينية وثقافية
وفي مقدمة الكتاب الذي جاء في سبعة فصول، يقول المؤلف إنه يعرض إطارا مرجعيا جديدا للدور الذي كان لترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية في التفاعلات الدينية والثقافية بين اليهود والمسيحيين والمسلمين.

وفي الفصل الأول وعنوانه "الإنجيل في المنطقة العربية ما قبل الإسلام" يتناول المؤلف أحوال اليهود والمسيحيين في المنطقة العربية، ويتساءل: هل كانت لهم نسخهم الخاصة باللغة العربية من الكتاب المقدس؟ وكيف كان السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي ساد في المنطقة العربية في ذلك الوقت؟ وأين كان موقعهم من ذلك السياق؟

أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان "الكتاب المقدس في القرآن الكريم"، وتناول ما ورد في القرآن الكريم من إشارات لليهودية والمسيحية، والقصص والروايات المتعلقة بالأنبياء السابقين.

ويقول المؤلف في الفصل الثالث "الترجمات العربية الأولى للكتاب المقدس" إن اليهود والمسيحيين بدؤوا يترجمون الكتاب المقدس إلى العربية في القرن الثامن الميلادي، ضمن جهود عدة في خدمة أسفاره تأثر فيها أهل الكتاب بما عايشوه في تجربة جمع المسلمين للقرآن الكريم.

ويرى أنهم كانوا مدفوعين إلى ذلك بكثير من التطورات الثقافية التي شهدتها المنطقة، وكان من أهمها وأبرزها انتشار اللغة العربية في المناطق التي وصل إليها الإسلام في أعقاب الفتوحات.

سيدني غريفيث:
ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية كان لها دور في التفاعلات الدينية والثقافية بين اليهود والمسيحيين والمسلمين

ترجمات وتحريف
وفي الفصل الرابع وعنوانه "الترجمات المسيحية الأولى للكتاب المقدس إلى اللغة العربية" يقول المؤلف إن ترجمة الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) إلى اللغة العربية جاءت في سياق حركة الترجمة العامة التي نشطت بالمنطقة في القرن التاسع الميلادي، وشملت إلى جانب الكتاب المقدس مجالات أخرى مثل الفلسفة والمنطق.

وفي الفصل الخامس وعنوانه "الترجمات اليهودية للكتاب المقدس إلى اللغة العربية"، يذكر المؤلف أن بوادر تلك الترجمات ظهرت أيضا في القرن التاسع الميلادي، بعد وصول الإسلام إلى المجتمعات التي كانت تعيش فيها جاليات يهودية.

ويتناول المؤلف في الفصل السادس من الكتاب وهو بعنوان "المسلمون والكتاب المقدس باللغة العربية" اهتمام المسلمين بما جاء في هذا الكتاب، خاصة ما يرونه تحريفا للتعاليم الأصلية.

وفي الفصل الأخير بعنوان "تداخل النصوص"، يتطرق المؤلف لاهتمام المؤسسات اليهودية والمسيحية خارج المنطقة العربية بالترجمات العربية للكتاب المقدس، خاصة المؤسسات الكنسية مثل الفاتيكان، وهو الاهتمام الذي ظهرت بداياته في القرن السادس عشر الميلادي، خاصة لدى المؤسسات التي كان لها اهتمام خاص بمنطقة الشرق الأوسط.

المصدر : الجزيرة