خميس بن بريك-تونس

ترجل الشاعر التونسي الكبير محمد الصغير أولاد أحمد أمس الثلاثاء عن عمر ناهز 61 عاما بعد صراع دام أشهرا مع مرض السرطان تاركا خلفه رصيدا شعريا وأدبيا مميزا جعله يتبوّأ مكانة عظيمة بين أشهر الشعراء في العصر الحديث.

قبل نحو عام تم تكريم الشاعر الذي تنبأ بالثورة التونسية في قصائده التي تمرد فيها على الاستبداد، وخلال التكريم بدا قويا وشامخا شموخ العظماء في مواجهة المرض الخبيث الذي وصفه بأنه "أمي لا يجيد القراءة والكتابة".

لم تفارق كلماته ذاكرة الناس عندما قال في حفل تكريمه آنذاك من قبل وزيرة الثقافة لطيفة خضير في المسرح البلدي بالعاصمة إنه فقد شَعره بسبب مرضه، لكنه لم يفقد شعره الذي طالما تغزل فيه بحبه للبلاد.

استطاع أولاد أحمد أن يأسر قلوب الناس بأبياته الشهيرة "أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد صباحا مساء ويوم الأحد"، أبيات خالدة كانت بمثابة بطاقة تعريف هذا الشاعر المتمرد في الزمان والمكان.

قبل أيام، حضر لفيف من أهل الثقافة والشعر والأدب والفن والإبداع معرض تونس الدولي للكتاب حيث أرادوا أن يكرموه اعترافا بعبقريته كأحد أبرز شعراء تونس المعاصرين. لم يتمكن أولاد أحمد من الحضور في تلك الأمسية بسبب تعكر حالته الصحية، لكنه ظل يكتب الأشعار متحديا الموت والمرض والعجز مؤمنا بمعاني الحياة والحرية.

وقف أولاد أحمد بجمال كلامه وإبداع خياله الشعري والأدبي أمام غطرسة الاستبداد والقمع فراح يدافع بقلمه الحاد وبكلمته الحرة عن ثورة الشعب رغم ما واجهه من قمع وتضييق.

بأشعاره المتمردة والثورية والساخرة نحت الشاعر التونسي شكلا متفردا في الشعر والنثر على حد سواء دافع به عن قيم الحرية منذ زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وخلفه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

نبوءة شاعر
منذ ذلك الزمن البعيد وقف أولاد أحمد بجمال كلامه وإبداع خياله الشعري والأدبي أمام غطرسة الاستبداد والقمع فراح يدافع بقلمه الحاد وبكلمته الحرة عن ثورة الشعب رغم ما واجهه من قمع وتضييق.

كان استثناء بكل ما في الكلمة من معنى، كيف لا وقد تنبأ بتحرر الشعب التونسي من قيود الخوف والظلم والقهر حيث بشّر في أشعاره بثورة الحرية والكرامة التي انطلقت من مسقط رأسه مدينة سيدي بوزيد.

انطلقت تجربته الأدبية في أواخر السبعينيات عندما أنهى جميع مراحل تعليمه في تونس في سن الخامسة والعشرين حيث كتب أول ديوان شعري عام 1984 في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة كشف فيه عن موهبته.

أطلق في أول ديوانه الشعري رصاصة الرحمة على نظام الحكم آنذاك بسبب كفره بالاستبداد، لكن غضبه دفع النظام التونسي إلى منع توزيع ديوانه الذي بقي محجوزا حتى عام 1988 بعد خروج بورقيبة من الحكم.

دخل أولاد أحمد أول مرة في حياته السجن في عهد حكم بورقيبة بسبب مشاركته في مظاهرة للتنديد بالتضييق على نشاط نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية)، وطُرد من عمله.

توقف إنتاجه الشعري بضع سنوات في نهاية حكم بورقيبة، لكنه عاد بعد عامين من تولي زين العابدين بن علي مقاليد الحكم عام 1987 ليكتب مولوده الشعري الثاني تحت عنوان "ولكنني أحمد".

رفض أولاد أحمد تسلم وسام الاستحقاق الثقافي في زمن بن علي الذي حاول استيعابه مثلما فعل مع مثقفين آخرين فاتخذ لنفسه مكانا عاليا عن التزلف والمخادعة.

معاني الحرية
تمت ملاحقته ومحاصرته بشراسة في عهد بن علي حتى قرر مغادرة البلاد باتجاه فرنسا، بيد أن سفره لم يستمر طويلا حيث عاد مطلع التسعينيات إلى تونس بفكرة تأسيس أول بيت للشعر ترأسه بين 1993 و1997.

عاش الشاعر متمردا طيلة حكم بن علي سلاحه الكلمات والأبيات. كتب قصائد كثيرة شهد أهل الشعر بثرائها اللغوي وغزارة صورها وتفرّد أوصافها ولغتها التي أوغلت في الدفاع عن معاني الحرية والاستهزاء بالمستبد.

رفض أولاد أحمد تسلم وسام الاستحقاق الثقافي في زمن بن علي الذي حاول استيعابه مثلما فعل مع مثقفين آخرين فاتخذ لنفسه مكانا عاليا عن التزلف والمخادعة وكان متمردا بحق وشاعر الثورة الأبدي.

بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 تغزل الشاعر بالحرية التي مات وهو يعتقد بنجاح مسارها رغم تشكيك البعض فيها، وظل ينظم الشعر ويردد القصائد التي دافع فيها عن قيم الحرية والحداثة والدولة المدنية والمرأة.

من بين كتبه الشعرية "نشيد الأيام الستة" عام 1984 و"ليس لي مشكلة" 1988 و"حالات طريق" 2013. له كتب في النثر منها "تفاصيل" 1991 "والقيادة الشعرية للثورة التونسية" 2013.

المصدر : الجزيرة