ميرفت صادق-رام الله

بعد معرضه "مرج ابن عامر" عن جمالية الطبيعة الفلسطينية شمالي الضفة الغربية، ينقل الفنان التشكيلي الفلسطيني رأفت أسعد مشهدا معاكسا لمصير الطبيعة الفلسطينية، فيه الزحف الأسود الذي يخفيها رويدا رويدا، وفيه الكثير من التدخلات الأمنية التي شوهت الحقول والتلال.

"التفاف" اسم المعرض الذي افتتحه الفنان أسعد في "غاليري1" بمدينة رام الله مساء الاثنين، وعبر 16 لوحة نقل التغيرات التي طرأت على مشهد الطريق الذي يقطعه عادة بين مدينتي نابلس ورام الله من شمال الضفة الغربية إلى وسطها.

يقول أسعد إن هذا الطريق شهد تحولات سريعة وخاصة منذ عام 2002 وما بعد الانتفاضة الثانية، فخلال الانتفاضة كان الانتقال بين المنطقتين على الطريق المعتاد صعبا للغاية، لذلك لجأ الناس إلى طرق وعرة وخطيرة.

وبعد العودة إلى الطريق صار يلاحظ كيف حرمت تدخلات الاحتلال الإسرائيلي المسافرين عبره من الاستماع بطبيعة المناطق السهلية والريف المترامي على جوانبها.

لوحة تظهر هيمنة الطرق الالتفافية التي تخدم المستوطنين على حساب الطبيعة الفلسطينية (الجزيرة)

في أحد أقسام المعرض يواجه الزائر لوحة من ست قطع متلاصقة تمثل عارضا حديديا يلتف حول الطريق ويحجب رؤية الطبيعة من خلفه، ويشعر الشخص وكأنه محاصر فعلا داخل هذا الطريق الملتف حوله.

يقول أسعد إن اللوحة التي رافقها عرض فيديو لرحلة حقيقية بين نابلس ورام الله، جزء من المعرض الذي يتضمن 16 مقطعا لمشاهد مختلفة.

وتظهر هذه المقاطع مشاهد لطبيعة تلتهمها الطرق والعوارض الحديدية، وأخرى محجوبة بالأسيجة الإلكترونية أو باللافتات الدعائية والتحذيرية، وهي في معظمها تستجيب لحاجات أمن المستعمر لا لحاجات الأهالي وتمددهم الطبيعي، وتقف حاجزا بين الإنسان وطبيعته البكر، كما يقول الفنان.

ويقدم في مجموعته مشهدا واضحا لا يحتاج إلى شرح كثير بل إلى تفكير في المشهد الأصلي المألوف في الذاكرة، ثم كيف تكوّن كل هذا التشوه عليه؟ وما السبيل إلى إزالته بعد تعمقه لدرجة استبعاد المشهد الحقيقي أو قلبه تماما؟

ويعتقد أسعد أن رسم الطرق الالتفافية التي أنشأها الاحتلال على أراضٍ زراعية فلسطينية لاستخدام المستوطنين خاصة، دون مراعاة البيئة المقامة عليها، هو محاولة لتثبيت مصطلح "الالتفافي" عالميا من أجل الإشارة إلى حالة تشويه الواقع الفلسطيني لصالح الأمن الإسرائيلي.

وكان الفنان الفلسطيني في معرضه السابق "مرج ابن عامر" العام الماضي، قد نقل الطبيعة الفلسطينية البكر كما هي دون تدخلات، لكنه في معرض "التفاف" قدم مشاهد معاكسة لرحلة فنان واغترابه في أرضه المشوّهة.

ويقول أسعد إن المعرض الجديد في بعض لوحاته يعكس للزائر الحواجز المصطنعة من الاحتلال بشكل مباشر، وفي لوحات أخرى يحيل الإنسان إلى التفكير في الحواجز الوهمية التي تحول بينه وبين أرضه والتنقل فيها، وقد يكون الخوف تعبيرا صارخا عنها.

رأفت أسعد يوضح تشكيليا كيف أن تدخل 
الاحتلال يحجب الطبيعة الأصلية (الجزيرة)

إنه يتذكر هنا الفلاحين الفلسطينيين في طريق نابلس-رام الله تحديدا، الذين يتملكهم الرعب وخطر القتل أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم لقطف الزيتون بداية كل خريف، أو تركه بلا قطاف بسبب الخوف من هجمات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه.

مشهد قاس
وتعليقا على المعرض، قال محمود أبو هشهش مدير برنامج الثقافة والفنون في مؤسسة عبد المحسن القطان إن "التفاف" قدم المشهد الواقعي بمتغيراته وقساوته أمام من فضلوا تجنبه.

ويذكر أبو هشهش في حديث للجزيرة نت كيف أن الغائب عن القدس منذ سنوات قليلة، سيفقد ألفته المعهودة مع الطرق التي كان يسلكها سابقا، وسيلاقي مكونات جديدة من الاستيطان والطرق السريعة محلها.

أما الفنان محمد عمّوص فرأى أن المعرض لا يمثل مشهد الالتفاف على الطبيعة فقط، ولكنه يعبر أيضا عن واقع الفلسطينيين الذين يتحملون التفافات متعددة على طبيعتهم الجغرافية والسياسية والاجتماعية، مما يحول دون تحقيق أي إنجاز أو الوصول إلى أي حقيقة.

المصدر : الجزيرة