بكر ياسين اشتية*

بالأمس القريب استوقفني خبر عن مقابر لليهود تُبنى على أراضي القدس المحتلة، لم يستوقفني الخبر بقدر ما استوقفتني الحجارة القديمة التي بنيت بها معظم تلك القبور، هي ذاتها حجارة ما تبقى من تراثنا المعماري على الأرض، فلا مسوّغ قانونيا يمنع السماسرة من بيع حجارة المباني الفلسطينية القديمة للجانب الإسرائيلي، ولا رادع أخلاقيا أيضا. نبيعهم تاريخا من حجارتنا، ليبنوا على أنقاض بيوت أجدادنا تاريخهم المزيف.

لم يأخذ مني الأمر جهدا للوصول لبعض سماسرة الحجر، فالأمر بالنسبة لهم -وللأغلبية الساحقة من مجتمعنا- لا يعدو تجارة رابحة مع مقاولي دولة الاحتلال، فعندما يتحدث أولئك السماسرة عن بيع حمولة شاحنة الحجر الفلسطيني القديم بمبلغ 10500 شيكل (2750 دولارا) للجانب الإسرائيلي، وعندما يتحدث أيضا بعض مقاولي البناء الفلسطينيين عن مساهمتهم في بناء الكثير من المعالم اليهودية بتلك الحجارة هناك، فإنهم لا يرون في ذلك أي حرج أو مبرر للتكتم على فعلتهم.

فالغطاء القانوني، وللأسف المجتمعي أيضا في صفهم، في ظل غياب قوانين فلسطينية تجرّم تجارتهم، إضافة إلى غياب الوعي الشعبي لدى كافة شرائح المجتمع الفلسطيني حول خطورة تسرب تاريخ أجدادنا المعماري لمباني وقبور وأسوار وكُنس دولة الاحتلال.

الحفاظ على تراثنا المعماري والتاريخي من التسرب والتزوير من قبل الجانب الإسرائيلي بحاجة لجهود رسمية من خلال تحديث القوانين والأحكام الخاصة بتعريف المعالم التاريخية، وإنفاذ القوة التنفيذية الرادعة، والشعبية

دور الوزارة
في ظل التدني الملموس لحصة وزارة السياحة والآثار من إجمالي الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية، التي لم تتجاوز 1.5% عن العام المالي 2015، وفي ظل النقص العددي للكوادر البشرية المؤهلة لديهم، ومع غياب القوانين والتشريعات الرادعة والنافذة؛ تقتصر إمكانات الوزارة على إعلان المجلس الأعلى للتخطيط والتنظيم لبعض البلدات والمباني القديمة مناطق أثرية.

ويعد ذلك النظام ملزما للبلديات في حال توفرت القوة التنفيذية لذلك، لكن غياب تلك القوة وضعف تجاوب تلك البلديات والمجالس المحلية من جهة، ووقوع الكثير من البلدات والمباني القديمة في المناطق المصنفة (ج) والخاضعة للولاية الأمنية الإسرائيلية، كل ذلك حد من قدرة وزارة السياحة والآثار على القيام بمهامها نحو تلك المواقع التاريخية، علما أن وزارة السياحة والآثار رحبت مرارا بأي جهود رسمية أو شعبية تعطي الوزارة غطاء قانونيا لحماية البلدات القديمة.

الأساس القانوني
في ظل التغييب الكامل للمجلس التشريعي الفلسطيني، وفي مراجعة سريعة للموروثات القانونية، وبعد استشارة أساتذة القانون من ذوي الاختصاص، وجدت أن القوانين النافذة في مؤسسات السلطة الفلسطينية تجرم بيع القطع والمصكوكات الأثرية للجانب الإسرائيلي.

لكن تلك القوانين لا تصنف بلداتنا القديمة ضمن فئة الآثار؛ فالمباني الأثرية -حسب تلك القوانين- هي المباني التي نص عليها القانون الأردني المؤقت رقم (5) لعام 1966 المعدل لقانون الآثار البريطاني لعام 1929، وهي المعالم القائمة ما قبل عام 1700، أي أنها تغفل الحقبة العثمانية، وما بعدها من تاريخ المنطقة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن صراعنا مع الاحتلال هو صراع تاريخ وأرض، وتاريخنا لا يقتصر على المعالم اليونانية والرومانية والمملوكية لحقبة ما قبل عام 1700، تاريخنا يمتد لما بعد ذلك، للفترة التي بدأت طلائع الهجرات اليهودية تتدفق لأرضنا، تلك الفترة التي تشكل لب وجوهر الصراع التاريخي، التي يحاول عرّابو دولة الاحتلال نقل كافة ملامحها التراثية لتاريخهم المزيف.

ومن الملفت أيضا أن مسودة لقانون التراث الفلسطيني كانت أعدت منذ عام 2006، إلا أن حالة الانقسام الفلسطيني وما تبعه من تغييب لدور المجلس التشريعي الفلسطيني في إقرار وإنفاذ القوانين حال دون المصادقة على تلك المسودة التي عملت على إعادة تعريف الآثار على أنها التراث المنقول وغير المنقول، والذي عدله أو بناه إنسان قبل مئة سنة ميلادية من الوقت الحاضر. وهو تعريف يحفظ لموروثنا الثقافي الفلسطيني إثباتات ومعالم تشهد على استمرار التواجد الفلسطيني على أرضه وأحقيته بها.

الحفاظ على التراث المعماري يحتاج لجهود شعبية من خلال نشر الوعي المجتمعي حول الأهمية التاريخية لتلك المعالم في صراعنا مع المحتل الإسرائيلي، فلا خير فينا إن نحن بعنا بقايا تاريخ قضيتنا بحفنة من النقود

الأمر الواقع
في ظل غياب الرادع القانوني الناظم والحامي لمقدّراتنا وموروثنا الثقافي والتاريخي، تبرز الحاجة لتبني مؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة خطة عمل لاستصدار ما يمكن تسميته "أحكام حماية المناطق التاريخية" من قبل وزارة الحكم المحلي بصفتها الجهة المراقبة والشريكة لأداء كافة المجالس البلدية والمحلية، وفق الآلية التالية:

أولا: حملة شعبية واسعة تقودها مؤسسات المجتمع المدني للضغط على مؤسسة الرئاسة -بصفتها الجهة المشرّعة دستوريا في ظل غياب وتعذر انعقاد جلسات المجلس التشريعي- بضرورة الإسراع باعتماد مسودة القرار بقانون التراث الفلسطيني.

ثانيا: تقوم وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بإنشاء سجل جغرافي متكامل، تحدد فيه المباني التراثية ذات القيمة التاريخية العالية لكل قرية ومدينة فلسطينية، وذلك بالتعاون مع بعض مؤسسات المجتمع المدني الشريكة في هذا المجال، كمؤسستي "رواق" و"التعاون".

ونشير هنا إلى أن مؤسسة "رواق" كانت أصدرت عام 2004 سجلا مصورا لأكثر من خمسين ألف مبنى تاريخي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وأغلب الظن أن جزءا كبيرا من تلك المباني تمت إزالته خلال السنوات الـ12 الماضية بمعدات وسواعد فلسطينية.

ثالثا: تقوم وزارة الحكم المحلي بإصدار أحكام حماية ملزمة لكافة البلديات والمجالس المحلية والقروية بناء على توصيات سجل وزارة السياحة والآثار.

رابعا: يُمنع ملاك وورثة تلك المباني من التصرف بها بالهدم أو التعديل أو الترميم إلا بعد الرجوع للجهات المختصة بوزارتي السياحة والآثار، والحكم المحلي.

خامسا: يمنع كل من يحصل على إذن بالإزالة لتلك المباني من التصرف بحجارتها بالبيع أو الإتلاف، وتكون تلك الحجارة ملكا للجهات الرسمية أو المدنية المختصة لأغراض ترميم وإعادة تأهيل مبان تاريخية أخرى.

سادسا: يُجرّم كل من يُسرب حجارة المباني التاريخية الفلسطينية للجانب الإسرائيلي وفقا لأحكام رادعة تُصاغ لذلك الغرض.

من كل ما تقدم، يمكن القول إن الحفاظ على تراثنا المعماري والتاريخي من التسرب والتزوير من قبل الجانب الإسرائيلي بحاجة لتضافر الجهود الرسمية والشعبية: الرسمية من خلال تحديث القوانين والأحكام الخاصة بتعريف المعالم التاريخية، وإنفاذ القوة التنفيذية الرادعة. والشعبية من خلال نشر الوعي المجتمعي حول الأهمية التاريخية لتلك المعالم في صراعنا مع المحتل الإسرائيلي، فلا خير فينا إن نحن بعنا بقايا تاريخ قضيتنا بحفنة من النقود.
___________
أكاديمي فلسطيني

المصدر : الجزيرة