أنطوان جوكي-نيويورك

تطرح أسئلة الهوية والانتماء نفسها بحدة في ظل ما تسمى "الحرب على الإرهاب"، وقد يبدو ذلك السؤال بديهيا في خضم الأحداث العنيفة التي يشهدها عالمنا، إلا أن الكاتبة السودانية ليلى أبو العلا تثبت عكس ذلك في روايتها الأخيرة "لطف الأعداء" التي صدرت حديثا في طبعة جديدة عن دار "غروف" بنيويورك.

أحداث الرواية تدور بين الريف الأسكتلندي والخرطوم وجبال القوقاز في العام 2011 وأيضا خلال الفترة الممتدة من 1839 حتى 1869 داخل فضاءات وأزمنة متباعدة قد يبدو صعبا تقريبها من بعضها بعضا والتعامل معها داخل سردية خرافية متماسكة.

لكن أبو العلا تنجح في هذه المهمة بفضل موهبتها الروائية أولا، وأيضا بفضل تجربتها الشخصية وهي السودانية التي ولدت في القاهرة ونشأت بالخرطوم وتلقت تعليمها العالي في لندن قبل أن تنتقل إلى الدوحة بعد إقامة طويلة بأسكتلندا.

في هذه الرواية نقرأ قصتين بشكل مواز، لدينا أولا قصة الشابة ناتاشا حسين المولودة من أب سوداني وأم روسية، والتي اختارت تغيير اسمها إلى ناتاشا ويلسون لتسهيل اندماجها في المجتمع الأسكتلندي لدى انتقالها مع أمها للعيش مع زوج الأخيرة البريطاني.

لكن ذلك لن يحول دون معاناتها من هويتها المزدوجة ومن شعور ثابت بالقلق وعدم الأمان حتى بعد تحصيلها شهادة دكتوراه في هذا البلد وتعيينها أستاذة في الجامعة، ولذلك نراها تعيش متقوقعة على ذاتها و"تدفع بالشظايا والذكريات غير النافعة إلى الخلف".

أبو العلا ولدت في القاهرة ونشأت بالخرطوم وتلقت تعليمها في لندن قبل الانتقال لقطر (الجزيرة)
شخصيات غنية
وضمن القصة نفسها لدينا أيضا الطالب أوز (أسامة) راجا الذي تحترم ناتاشا شخصيته الذكية وأفكاره، ولن تلبث أن تلبي دعوته لزيارة منزله والتعرف إلى أمه حين تعرف منه أنه سليل القائد الداغستاني الشهير الإمام شامل الذي نجح على مدى عقود في حماية شعبه وتقاليده من محاولات جيش القيصر الروسي احتلال أراضي مسلمي القوقاز وإخضاع قبائله، وهو موضوع أطروحة ناتاشا ودراستها.

ولأن أوز يستخدم في رسائله الإلكترونية اسم "سيف شامل" ويعمل في الجامعة على موضوع "الأسلحة المستخدمة في الجهاد" تداهم الشرطة البريطانية منزله في أحد الصباحات وتعتقله بحضور ناتاشا.

القصة الأخرى في الرواية تبدأ عام 1839 في معقل الإمام شامل، حيث نتعرف عن قرب على شخصيته ومحيطه وطبيعة نضاله والظروف المرعبة لمعركة "أخولكو" قبل أن تقفز الروائية بنا إلى عام 1854 حين يخطف رجال شامل الأميرة الجورجية آنا مع طفليها والمربية الفرنسية بهدف إجبار القيصر على مقايضتهم بابن شامل جمال الدين المأسور في روسيا منذ 15 عاما.

قصة آنا -التي تجد نفسها على أرض غريبة- تحاكي قصة ناتاشا، لكن بينما تتجاوز الأولى ضيقها وتتأقلم داخل محيطها الجديد تبقى الأخرى في حالة شعور بعدم الانتماء إلى أي مكان وفي اعتبار نفسها "كائنا هجينا يتألف من ذوات متضاربة"، والأمر نفسه ينطبق على جمال الدين الذي عاش سنوات طويلة في المجتمع الروسي قبل أن يفقد أي شعور بالانتماء بعد تحريره وعودته إلى منزل أبيه.

رواية عميقة وجذابة إذاً، خصوصا الفصول التي تدور أحداثها خلال القرن الـ19، حيث تنجح أبو العلا في تصوير الحياة بقرى القوقاز المحصنة من خلال حياة الأميرة آنا فيها، وأيضا من خلال باقة من الشخصيات الغنية بالألوان، كزوجات الإمام شامل وابنه الغازي وطبعا "أسد داغستان" نفسه الذي تصفه الروائية -بطريقة مقنعة- بمقاتل نبيل من أجل الحرية وقائد إستراتيجي حكيم ومسلم تقي يختلف فهمه للجهاد كليا عن فهم بعض الجماعات المتطرفة الراهنة في منطقتنا لهذا الموضوع.

في المقابل، تبدو الفصول التي تدور أحداثها في زمننا أقل سطوة على القارئ، سواء بالرسالة السياسية المسيرة داخلها بقليل من الهشاشة رغم اقتناعنا بصحتها، أو بالحوارات الركيكة أحيانا بين شخصياتها.

رواية لطف الأعداء للكاتبة السودانية ليلى أبو العلا تدعونا إلى التأمل في الزمن الذي نعيش فيه -زمن تعدد الثقافات- ورفض أي نظرة تبسيطية إلى الأشخاص والأديان والأشياء

رهانات متعددة
مهما يكن تتنقل أبو العلا بثقة وسهولة بين الرهانات المعاصرة والماضية داخل نصها متناولة ببصيرة المعاني المختلفة والمتحولة للجهاد، ومسلطة الضوء على جانب عنصري في الحرب الراهنة على الإرهاب، ومتابعة ذلك البحث الصوفي الذي نستشفه لدى شخصيات الرواية الرئيسية، ويؤول إلى نتيجة سعيدة تتجلى في اعتراف تلك الشخصيات بسلام ممكن من خلال "الغوص داخل الحقيقة المخفية خلف المظاهر".

وهذا ما يقودنا إلى موضوع الرواية الأهم، إلى جانب موضوعات الهوية والاندماج وصعوبة العثور على مكان لنا داخل العالم، ونقصد موضوع المصالحة مع الذات والآخر، فالأميرة آنا ينتهي بها الأمر معجبة بشخصية الإمام شامل ومتألمة لمصيره حين يضطر إلى تسليم سلاحه.

والإمام بالذات يجد نفسه في النهاية مندهشا أمام الطريقة اللائقة والكريمة التي سيستقبله فيها القيصر وأبناء مدينة سان بطرسبرغ رغم فهمه الدوافع السياسية لهذا الاستقبال.

وتعي ناتاشا في النهاية أن شرط التصالح مع ذاتها هو تقبل هويتها المتعددة والجانب المعقد للحياة في عالم مفتوح ومتحول أبدا.

باختصار، رواية تدعونا إلى التأمل في الزمن الذي نعيش فيه -زمن تعدد الثقافات- ورفض أي نظرة تبسيطية إلى الأشخاص والأديان والأشياء.

المصدر : الجزيرة