لوحة تظهر فلسطينيا يحتضن علم وطنه, وأخرى تجسد وجع الأسر, من بين أكثر من ثلاثين لوحة عرضتها الفتاة الفلسطينية شيماء نطط في غزة. شيماء لم يمنعها الصمم من الإبداع، فأثنى زوار معرضها "وطني بريشتي" على جمال منتوجها.

محمد عمران-غزة

طفلتان خلف القضبان تبكيان من أوجاع الأسر، وأخرى تنظر بأمل إلى شمعة مضيئة في مكان مظلم، وبينهما تُفتَح أبواب القدس لتظهر قبة الصخرة، لكن جداراً صلباً تعلوه أسلاك شائكة مثبتة بين الأحجار، يمنع الوصول إليهم ويحجب الحرية عن المسرى والأسرى.

مكونات ثلاثة في لوحة كبيرة برزت في واجهة معرض "وطني بريشتي" للفتاة الصماء شيماء نطط، حيث سيطر سواد قلم الرصاص التي رسمت به على تفاصيلها، دون أن تصبغ بالألوان المائية الاعتيادية، في محاولة للتعبير عن سوداوية واقع قضيتي القدس والأسرى التي لن تفلح الألوان -مهما بلغت احترافية مزجها- في التعبير عن مأساتهما.

ورغم القدرة التعبيرية العالية التي تميزت بها هذه اللوحة ولفتها انتباه كثيرين من زوار المعرض، فإن اللوحة الأكثر ارتباطاً بالمبدعة الصغيرة كانت لوحة الفلسطيني الذي يقبض بقوة على علم وطنه وهو يحتضنه ويقبله، بينما تزين الكوفية رأسه بدون ظهور وجهه، لتبرز فلسطين ويختفي ما دونها.

وتجسد هذه اللوحة واقع الفلسطينيين المتمسكين بأرضهم ووطنهم، مهما تعددت صنوف المعاناة التي يكابدونها، في إشارة إلى فشل كل محاولات الاحتلال لانتزاع فلسطين من قلوب أبنائها، مثلما تبين شيماء التي مضت جل وقتها بجانب لوحتها هذه.

شيماء وخلفها عدد من اللوحات التي عرضتها (الجزيرة نت)

الحرب والحصار
وتقول شيماء للجزيرة نت بلغة الإشارة التي كانت تترجمها أمها، إنها عمدت إلى إبراز فشل الحرب والحصار والمعاناة في ثني الفلسطينيين عن تصعيد جذوة انتفاضة القدس ومقاومة الاحتلال، فهذه اللوحة نتيجة حتمية للتفاصيل الحزينة التي تجسدها بقية اللوحات وفق قناعتها.

وتضيف -بتعبيرات يديها القوية وتفاصيل وجهها الغاضبة- أنها أرادت في مرات كثيرة الصراخ ليسمع العالم صوتها من حجم آلامها التي عايشتها خلال الحرب الأخيرة على غزة، لكن عجزها عن الكلام ظل حائلاً أمامها، حتى جاءت انتفاضة القدس ورأت كيف يصفي جنود الاحتلال الأطفال بدم بارد، لتقرر التعبير عن أوجاعها عبر رسوماتها الفنية.

بيد أن الغضب الذي سيطر على محيا شيماء لبرهة من الوقت، لم يستمر طويلاً وهي تقرأ في وجوه زوار معرضها عبارات الثناء والإطراء لفتاة صماء لم تنجح في التعبير عما يدور بخلجات صدرها فحسب، وإنما برعت كذلك في تلخيص معاناة شعبها في 33 لوحة فنية.

فطفولتها البريئة ومعاناة أقرانها الصم لم تحظيا بالنصيب الأكبر من لوحاتها كما كان متوقعاً، حيث سيطرت هموم الوطن بأكمله على تفاصيل رسوماتها، كمشاهد انتفاضة القدس والفرار من القصف والبكاء على الشهداء، إضافة إلى عذابات التهجير وتدمير المنازل وغيرها.

عدد من الزوار أثنوا على قيمة اللوحات التي عرضتها الفتاة الفلسطينية (الجزيرة نت)

حس وطني
وتعكس هذه اللوحات تعاظم الحس الوطني لدى الفنانة الصغيرة، وتأثرها البالغ بتصاعد انتفاضة القدس، لدرجة الارتباط الوجداني بينها وبين الشهداء الذين تحلم بهم في نومها، وفق سعاد عوض معلمة التربية الفنية المشرفة على شيماء.

وبينما توضح المعلمة في حديثها للجزيرة نت مواجهتها لصعوبة بالغة في إقناع شيماء بإدخال الألوان على لوحاتها، لإحساسها بأن سواد قلم الرصاص يكفي لتجسيد مشاعرها برسوماتها، تؤكد امتلاكها لحس فني عالٍ برز في سلامة أبعاد لوحاتها ودقة مكوناتها وتناسق ألوانها.

ومثلما حضرت معالم المأساة في لوحات المعرض، لم يغب الأمل بسفينة العودة وشارة النصر والمصالحة، والعصافير التي تطير فرحة بحريتها بين أغصان الأشجار، بينما تنطلق الفراشة فرحة كالعروس يوم زفافها.

ويعتقد المهندس وليد محمد -أحد زوار المعرض- أن إعاقة شيماء السمعية أضافت إليها قدرة أكبر على التعبير الفني، متوقعا لها مستقبلاً فنياً واعداً إثر إنجازها ثاني معرض فني لأطفال صم في غزة بعد معرض الطفل محمود المقيد.

المصدر : الجزيرة