هيثم حسين

مسكونا بعوالم الصحراء التي وسمت غالبية أعماله، يرصد الليبي إبراهيم الكوني (1948) في روايته "ناقة الله" مشاهد من أهوال ذلك الفضاء وأحوال أهله، وكيف أن هناك ممالك سادت وأخرى بادت في ظل لعبة السيطرة والإغارة والفتك الدارجة فيه.

يصور الكوني، المقيم في سويسرا منذ قرابة أربعة عقود، في هذا العمل السردي الجديد علاقة خاصة تربط بين ناقة "تاملالت" وسائسها "أسيس"، يلتقط تشتتها وجموحها، وهي تعكس صورة عن تشتت الطوارق أنفسهم كما يوحي، وهي تبدو باحثة عن حريتها، تعاود الهروب باتجاه المكان الذي تم استقدامها منه، تعشق الصحراء والارتحال فيها، لكنها تعشق حريتها أكثر من أي شيء آخر.

يستنطق الراوي الناقة ويعيش معها حالة تبادل للأفكار، يسبغ عليها صفات إنسانية في مسعى لمنحها قوة التأثير والتأثر ككائن حي. تراه ينتابه شعور بالخيانة حين ترك ناقته برفقة أحد الرعيان أياما ثم يعود إليها بعد أن تكون قد حملت، وتكون تلك الحادثة بداية تصاعد الشعور بالإثم والخيانة.

ويظل الراوي متخبطا بين ما أقدم عليه وما كان يجب أن يكون، يلوم نفسه على خيانته لناقته، تلك التي يخيل إليه أنها بمثابة وطن له، وهو حاميها الأمين الذي خانها بذرائع غير مقنعة، وبزعم المحافظة عليها من الضياع.

الروائي إبراهيم الكوني كرس جل أعماله للصحراء وعوالمها (الجزيرة)

ثأر وأمل
يرمز الكوني إلى استشعار بطله أسيس لذة الغلبة ليعرف معنى الثأر، لأنه لا ترياق لمرارة الذل إلا الثأر، ثأر معمم ضد الجميع. ويلفت إلى أن الارتماء في حضن الوطن ولو كان جحيما ينقذ المسكون بالحنين والشغف والتوق ويلقي به في أتون فردوسه المتخيل.

لكنه يتساءل عن جدوى ذلك، كما يتساءل عن مفهوم العدالة الغائبة في العالم، ويصف من جهة أخرى الفرار طلبا للحرية خارج الأوطان بأنه سجن، كما أن القبول بالسجن أو حتى بالموت داخل الأوطان حرية.

يشدد الراوي على قوة الأمل، وكيف أن الأمل في استعادة الوطن المفقود هو ما استعان به كي لا يصاب بالجنون، كما أصيبت تاملالت المسكينة. ويتماهى مع الروائي في إسقاط تاريخي سيري، وذلك حين يعبر عن ظنه المضلل أن البلية التي حاقت بالوطن، وكانت السبب في طرده من الوطن، زوبعة عابرة لا تلبث أن تزول كما زالت من الصحراء كل الزوابع.

ويشير إلى أن الواقع أثبت أن الزوبعة هذه المرة ليست ككل الزوابع التي اجتاحت الصحراء في تاريخها المميت. كل الأنباء التي أتى بها الهاربون من الوطن تشير إلى طغيان الزوبعة، بل وانقلابها إلى كابوس. ولا يستطيع أن يستعيد ذكرى ما حدث إلا مشفوعة بتلك النبوءة التي رددها الكبار: "إنهم يسنون السكاكين".

يلفت صاحب "التبر" إلى لغز الصحراء وأهمية أن الناقة وحدها هبة الله وفي مطاردتها يجري البحث عن الله. يقول إن الزعيم يتشبث بالإبل لا ليطمئن بامتلاكها، ولكن لأنها في حياته تعويذة، لأنها الشهادة على هوية، لأنها حبل السرة الوحيد الباقي الذي يشده إلى مسقط الرأس، إلى حرم الأم الكبرى: الصحراء.

يقول الكوني إن مشيئة الصحراء هي التي قضت بأن يغترب الماء حيثما استعارت الحرية جسدا لتستوي في جرم اسمه صحراء 

رحلة في كابوس
يعترف الراوي بفضل الناقة عليه وكيف أنها لقنته درسا في الحنين إلى الوطن، ولم يكن يتخيل جنونها يوم تنكرت له على مشارف "الحمادة" عندما حاول أن يعيدها إلى صوابها، فهاجمته في نية لسحقه تحت الكلكل.

ويصف الوطن بأنه الأحجية العصية التي لم يجد لها تفسيرا. ويتساءل هل كانت الناقة تجسيدا لروح الوطن، بقدر ما هي التجسيد للبلاء الذي أحاق بالوطن، وهل يعني هذا أنه لا يحب ناقة الله كما يجب أن يفعل، أو أنه إنما يحب نفسه في ناقة الله؟

يعتقد الكوني في روايته أن كل شيء في الصحراء يلفظ أنفاس النزع الأخير إلا شيء واحد، لأنه وحده الملك المخول بنزع أنفاس النزع الأخير، لا بلفظ أنفاس النزع الأخير، ذلك الملك هو الظمأ.

ويعتبر أن لكل شيء في الصحراء ترياقا، الحر، القر، المرض، الجوع، الوجد، الحنين، إلا الظمأ فهو بلا ترياق، لأن السماء التي تجود بماء الروح الذي يسميه دهاة القوم حرية، لا تستنزله إلا بصفقة تنال بها حرية الجسد الملقبة باسم "الماء".

وفي إضفاء لغة فلسفية على فكرته يقول الكوني إن مشيئة الصحراء هي التي قضت بأن يغترب الماء حيثما استعارت الحرية جسدا لتستوي في جرم اسمه صحراء، "لأن الماء مع الأحجية المسماة حرية كانا في خصام منذ الأزل، والعبودية وباء لا يستشري إلا على شطوط المياه. رحلة في كابوس".

المصدر : الجزيرة