ناصر يحيى

من مفارقات التاريخ أن عمليات تدخل الغربيين في إعادة صياغة مناهج التعليم العربي -ومن ثم تشكيل المسار الثقافي- التي بدأت مع مرحلة الاستعمار القديم ما تزال مستمرة بعد انتهائه، وما يزال الخبراء الغربيون يتواردون على كثير من وزارات التربية والتعليم العربية للإشراف على عمليات التحديث والتطوير في مناهج التعليم؛ ليس فقط المواد العلمية، بل حتى مواد ثقافية وتربوية مهمة جدا مثل المواد الاجتماعية، واللغة العربية، والمواد الإسلامية ذاتها!

وربما كان العرب القومية الوحيدة التي تسمح للآخر -بل العدو الحضاري والتاريخي لها- أن يتدخل في صياغة مناهجها التعليمية، ووضع محددات لمسارها الثقافي، وهي وسائل في غاية الخطورة، وجذرية التأثير في تشكيل الوعي الجمعي للأمة ونفسيات أبنائها وعقولهم.

هل يمكن أن نتخيل لحظة أن الأمة الأميركية أو الروسية أو الهندية أو الصينية أو الفرنسية تسمح لخبراء مسلمين بالإشراف على إعداد مناهج دراسية لتاريخ تلك الأمم، وأن يحددوا ما هو مسموح وما هو غير مرغوب في أن يتعلمه طلاب هذا البلد أو ذاك عن تاريخهم ولغتهم وأخلاقهم؟

درس الفلوجة
ولكي لا يقال إن تدخل الخبراء يتصل فقط بالجوانب الفنية والشكلية، نثبت هنا حكاية حذف قصيدة بعنوان "الفلوجة" من منهج اللغة العربية في اليمن عندما كانت المدينة العراقية بداية الألفية الثانية تخوض معارك حاسمة مع جنود الاحتلال الأميركي.

وتعدّ تلك الخطوة إرضاء للأجنبي ومراعاة لمشاعره، رغم أن القصيدة ليست لها علاقة بالحرب الدائرة آنذاك!

تعلمنا خبرة العرب مع الاستعمار القديم الكثير عن حقيقة موقف الغرب من قضية التقدم في كل المجالات؛ وأكثرها أهمية التعليم والثقافة، فضلا عن الصناعة والزراعة والتطبيب

ومشهورة هي حكايات تعديل المناهج في مصر تكيفا مع معاهدة السلام مع إسرائيل، والحجة: نزع كل ما يضر السلام والعلاقات الجديدة مع العدو السابق، وها نحن اليوم نقرأ عن حذف دروس الفتوحات الإسلامية، وتغيير مسميات أطراف الصراع في بداية العصر الإسلامي، وحتى وصل الأمر إلى المناداة بوصف الفتح العربي لمصر غزوا واحتلالا.

من المؤلم أن يصدق بعضنا أن الغرب مهتم جدا بتطوير التعليم وإنشاء ثقافة حقيقية في بلداننا العربية والإسلامية، أو يظن أن الغرب معني جدا بتعليمنا مفاتيح التقدم والتطور في مجالات العلوم والتقنية.

تعلمنا خبرة العرب مع الاستعمار القديم الكثير عن حقيقة موقف الغرب من قضية التقدم في كل المجالات؛ وأكثرها أهمية التعليم والثقافة، فضلا عن الصناعة والزراعة والتطبيب.

فعندما بدأت أوربا تبسط سيطرتها الاستعمارية على المنطقة العربية، بدءا من الجزائر وعدن اليمنية، صار ممكنا تحديد موعد مرحلة تخلف وفقر جديدة تحت مسمى العمران وتطوير المناطق المتخلفة عن العصر.

يحكي الثائر التونسي عبد العزيز الثعالبي في كتابه "تونس الشهيدة" بإسهاب وتوثيق رقمي إحصائي كيف جلبت الحماية الفرنسية الخراب لبلاده، ففي مجال التعليم والثقافة فقط هدم الفرنسيون النهضة التعليمية الثقافية التي كانت انتعشت منذ أربعينيات القرن الـ19، وتحديدا منذ صدور قانون تنظيم التعليم (1842).

وقبل ذلك القانون تم تأسيس مدرسة "البولتكنيك"، وإعادة تنظيم الجامعة التونسية، وإنشاء مدرسة الصادقية، ومضاعفة نفقات التعليم، واشتراك القطاع الخاص فيها، وتحسين ظروف المعلمين والمتعلمين، وجعل الدراسة بالمجان، وإدخال المواد الحديثة إلى جانب المواد الدينية والفلسفية.

انتعش التعليم الوطني خلال أربعين عاما قبل الحماية الفرنسية، وتوسعت المؤسسات التعليمية حتى بلغ عدد الكليات 15 ثانوية تضم ثمانمئة طالب و120 مدرسة ابتدائية، بها آلاف التلاميذ، منهم 1200 في الأقاليم الريفية.

دور الفرنسيين
ولما دخلت تونس تحت الحماية الفرنسية الإجبارية (1881) بدأ ضرب النهضة التعليمية، وفرض "الفرنسة" الثقافية، وتجاهل المدارس العربية، وخنق اللغة العربية، وجعلها مادة اختيارية، وبعد 38 عاما من الاحتلال كان في تونس 291 مدرسة ابتدائية، منها ستون فقط خاصة بالتونسيين، وثانوية واحدة في العاصمة، مع غياب المعاهد الجامعية والفنية، في المقابل بلغ عدد الطلاب غير المسلمين ثلاثين ألفا!

وفي المجال الثقافي، مارست السلطات الاستعمارية التضييق على النشاط العربي، ولم يكن من حق الجمعيات المسرحية العربية تقديم أي أعمال دون ترخيص من الحكومة، ولم يكن يحدث إلا بعد مراقبة متعنتة، في الوقت الذي كانت المسارح الفرنسية والإيطالية تعمل بكل حرية وبدعم مالي رسمي سخي.

وفي الجزائر المحاذية لتونس، عمل الاستعمار الفرنسي على هدم اللغة العربية، وفرض تعليم اللغة الفرنسية، وغيّر أسماء المدن والشوارع ولافتات المحلات العربية إلى الفرنسية، وبموازاة ذلك عمل الاستعمار على إحياء لغة البربر غير المكتوبة، ووضع قواعد وقواميس لها.

كان من أوائل قرارات الإنجليز بعد احتلالهم مصر هو إلغاء مجانية التعليم الابتدائي، وإقفال مدرسة الألسن، ووصلت نسبة الأمية في عشرينيات القرن العشرين إلى 92% بين الذكور و97% بين الإناث

عدوة التعليم
اشتهر عن اللورد البريطاني كرومر (المعتمد البريطاني من 1883-1906) أنه كان عدوا لتعليم المصريين، وكما جاءت الحماية الفرنسية المدمرة بعد مرحلة نهضة علمية صناعية؛ فكذلك كان الاحتلال البريطاني لمصر تاليا لمرحلة نهضة، خاصة أيام سعيد باشا وإسماعيل باشا.

كان من أوائل قرارات الإنجليز بعد احتلالهم مصر هو إلغاء مجانية التعليم الابتدائي (وما أدراك ما هو في ذلك العصر!)، وجعل التعليم بمصاريف، وتم إقفال مدرسة الألسن، ووصلت نسبة الأمية في عشرينيات القرن العشرين إلى 92% بين الذكور و97% بين الإناث.

وكان من أخطر قرارات هدم الشخصية المصرية: تكريس نمط تعليمي وثقافي مفصول عن الأسس الدينية، وجعل الدين هامشيا في المناهج التعليمية، والسماح للكنائس الغربية بفتح مدارس تنصيرية استوعبت عشرات الآلاف من التلاميذ المصريين، واستفزت بذلك حتى الأقباط الذين ردوا على محاولة تغيير مذهبهم الأرثوذكسي بفتح المدارس القبطية.

مئة عام من التخلف
هكذا وصف المؤرخ اليمني سلطان ناجي مئة عام من احتلال بريطانيا عدن مفتاح اليمن (1839)، فبعد كل هذا الزمن لم يكن في عدن إلا أربع مدارس حكومية وست أهلية تضم ألف تلميذ، ولم يكن هناك محام ولا مهندس ولا طبيب ولا معلم يمني، وحتى الأربعينيات من القرن العشرين لم يكن هناك إلا أربعة طلاب يحملون شهادات جامعية.

وكما حدث في البلدان الأخرى جرى أيضا تهميش مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية في مناهج التعليم، الأمر الذي يؤكد حقيقة استحالة أن يكون الغربيون أداة تطوير التعليم والثقافة الصالحة بين الناطقين بالعربية.

المصدر : الجزيرة