نزار الفراوي-الرباط

تعبئة واسعة يعيشها المشهد الفني في المغرب من أجل إنجاح مسار قانوني يعوّل عليه لرد الاعتبار المادي والمعنوي للفنان وحفظ كرامته وتقنين الممارسة الفنية بمختلف أشكالها، كي لا تظل كعكة تسيل لعاب جشع المنتجين والوسطاء.

تحت عنوان "قانون الفنان" يتطلع ممارسو المهن التمثيلية والموسيقية بشتى فروعها إلى الشوط الأخير الذي يجتازه هذا النص المهم في البرلمان، ليقطع مع مشاهد طالما أساءت إلى الفن كممارسة وإلى الفنان كرمز ونموذج مجتمعي.

وتتمثل هذه المشاهد في فنانين يعملون تحت رحمة منتجين بلا قلب، بعقود ظالمة تبخس حقوقهم، ثم ينتهون أرذل العمر في زوايا النسيان والمرض والفقر.

وخلال السنوات الأخيرة، وبقدر ما أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الإلكترونية تسليط الضوء على حالات إنسانية مؤلمة لفنانين انتهوا فريسة للمرض والفاقة، فإنها أصبحت واجهة لإسماع أصوات المعاناة التي كثيرا ما استدعت تدخلات شخصية من الملك المغربي محمد السادس للتكفل بتطبيب فنان عاجز عن دفع فاتورة الاستشفاء أو مساعدة آخر لم تمنحه مهنة الأضواء بيتا يؤوي أسرته.

وجدير بالانتباه أن المشروع من النصوص النادرة التي خرجت عن نطاق الاستقطاب السياسي بين الأغلبية -التي قدمته كمقترح- والمعارضة، ليحقق إجماعا بين الفرق البرلمانية، عكس على الأقل شعورا بالضرورة المستعجلة لتجاوز أعطاب المشهد.

بوحسين: القانون يحاول سد الثغرات القانونية المرتبطة بخصوصية المهن الفنية (الجزيرة)

إطار تنظيمي
ويقدم رئيس النقابة المغربية لمحترفي المسرح مسعود بوحسين قانون الفنان والمهن الفنية بوصفه إطارا تشريعيا يحاول سد الثغرات القانونية المرتبطة بخصوصية المهن الفنية، التي تمكن من ولوج الفنانين إلى حقوقهم وضبط تنظيمهم مهنيا، سواء في ما يتعلق بالعلاقات المهنية أو ما يرتبط بالحقوق الاجتماعية أو علاقاتهم مع المشغلين.

ويضيف بوحسين أن هذا القانون يضمن إخضاع الجميع للقانون حماية للتنافسية المهنية واقتسام مخاطر المهنة من حيث الالتزام بالعقود النموذجية والحدود الدنيا للأجر والاتفاقيات الجماعية وغيرها.

كما يحدد وضع الفنانين المهنيين المتفرغين، لا سيما فناني العروض في كل ما يتعلق بالحماية الاجتماعية بموجب آلية تضمن خدمات اجتماعية أساسية كالتغطية الصحية والمعاشات وغير ذلك من الخدمات.

وأوضح بوحسين أن "غاية القانون هي ضمان حد أدنى للعيش الكريم"، مضيفا أنه "لا معنى أن يمر اليوم الفنان على البساط الأحمر متبخترا وغدا أو في اليوم ذاته لا يجد ثمن دواء".

أحمد العلوي:
النص الجديد يندرج في إطار تراكم بدأ في السنوات الأولى للألفية وتوج بقانون الفنان في نسخته الأولى 2003، حيث تم فتح منافذ لاستفادة الفنانين من تغطية اجتماعية والاعتراف بالفن كمهنة

مشاكل وتأثيرات
من جهته، يرى الملحن ورئيس النقابة المغربية للمهن الموسيقية أحمد العلوي أن المشكل الأساسي بالنسبة للمجال الفني هو الترسانة القانونية التي تضبط شروط التعامل بين الأطراف، وهو ما أثر سلبا على المبدعين ومساراتهم، خاصة في الجانب الاجتماعي والرعاية الصحية وحقوق المؤلف.

وبيّن أن أكثر ضحايا هذا الوضع الاجتماعي القانوني المبدعون المتفرغون للعطاء الفني.

ويذكّر العلوي بأن النص الجديد يندرج في إطار تراكم بدأ في السنوات الأولى للألفية، وتوّج بقانون الفنان في نسخته الأولى 2003 إبان تولي الشاعر والروائي محمد الأشعري وزارة الثقافة، حيث تم فتح منافذ لاستفادة الفنانين من تغطية اجتماعية والاعتراف بالفن كمهنة.

وشكلت هذه الخطوة آنذاك إشارة تعبئة في الحقل الإبداعي -حسب العلوي- حيث تم تأسيس الائتلاف المغربي للثقافة والفنون، المكون من مختلف المنظمات والنقابات الفنية، كإطار جماعي للضغط من أجل تغيير الأوضاع المهنية والمادية والاجتماعية للفنان، وعلى مدى أكثر من عقد تواصل مسار توسيع نطاق الضمانات والامتيازات المتعلقة بالحماية الاجتماعية.

بالنسبة للفنان النقيب، فإن النص الجديد إجابة على مفارقة غير سليمة، فمن جهة يحظى الفنان باحترام وتعاطف واسعين لدى مختلف الفئات الاجتماعية، يلمسه في حياته اليومية.

لكن في المقابل، يتابع الرأي العام منذ زمن بعيد كيف ينتهي مبدعون أسدوا الكثير للبلد إلى مصائر أليمة.

ويرى العلوي أنه بتقنين شروط التعاقد بين الفنان والمنتج في صيغة حقوق والتزامات واضحة، ووضع آليات للرعاية الاجتماعية، وتعزيز احترافية القطاع، فإن عصرا جديدا ينفتح أمام من اختار المضي في طريق الإبداع.

المصدر : الجزيرة