إبراهيم صموئيل*

يحدث في الحياة الثقافية أن تهب رياح عاتية لا أحد يعرف أسبابها ومواقيت هبوبها ولا اتجاهها ولا شدتها ولا دوامها فتشمل في اندفاعها الناس وكل الأفراد العاملين في الحقل وكافة مرافق الحياة الثقافية، حتى إذا ما ارتوت العاصفة من غايتها ضعفت وتراجعت وتلاشت وكأن شيئا لم يكن.

ولعل الأكثر شبها للزوابع والعواصف الثقافية التي تهب من حين لآخر تلك العاصفة التي هبت قبل فترة على وسائل الإعلام في العالم أجمع، وشغلت الإعلاميين جميعهم جراء صورة الطفل السوري الصغير المكب على وجهه وحيدا فوق رمال الشاطئ.

زوبعة إعلامية لم يحدث على غرارها شدة واتساعا للرقعة خلال السنوات الخمس من عمر الثورة في سوريا إزاء أي صورة بعينها أو مشهد بذاته من عشرات آلاف المشاهد والصور الأكثر هولا وترويعا وتأثيرا.

في الحياة الثقافية يحدث أن يصدر عمل أدبي ما فتقوم القيامة ويتحول العمل إلى عاصفة تشمل المثقفين والصحفيين وحتى غير المثقفين والصحفيين من الناس أجمعين الذين سبق لأحدهم أن قرأ كتابا مصادفة أو لم يكن يوما من القارئين، حتى ليحسب الناظر إلى ما يجري أن العمل لمؤلف من المريخ أو من كوكب آخر. 

أحد أصحاب المكتبات قال جراء إحدى العواصف "نويت جديا أن أغلق المكتبة لفترة من الزمن عسى أن تمر خلالها العاصفة وتنقضي! ورغم أنني استفدت ماديا من كميات البيع بسبب الضجة التي قامت حول الكتاب بيد أنني قد استأت استياء شديدا من هذه الهجمة التي لا شاغل لأصحابها ولا مطلب لهم إلا الحصول على نسخة من هذا العمل بالذات!".

ويضيف صاحب المكتبة -وهو مثقف حقيقي وليس مجرد تاجر يعنيه الربح فقط- "تولد استيائي من حالة تجاهل الزبائن لمئات العناوين والأسماء وتركيزهم على هذا العمل وحده، وكأن وباء بعينه قد أصابهم جميعا وجعلهم لا يرون ولا يفكرون بأي كتاب آخر غيره!".

ما يحمل على الاعتقاد بأن الظاهرة أشبه بزوبعة أو نوبة تصيب الناس هو أن الكتاب اللاحق للمؤلف نفسه -سواء صدر بعد عمله الذي اشتهر- وكذلك أعماله السابقة لا تنال من القراء إلا نسبة ضئيلة من الاهتمام تكاد لا تذكر، أي على غرار ما تناله أعمال كتاب وأدباء آخرين لا أكثر ولا أقل.

قوانين الضجة
هل ترجع الظاهرة الغرائبية هذه إلى أن الإبداع والإلهام والألمعية لم تظهر لدى المؤلف إلا في كتابه هذا الذي أثار الضجة، أم أن للضجة قوانينها وأسبابها المرتبطة بعوامل ومعطيات كثيرة عدا النص نفسه.

وإذا كان السبب الثاني هو الأصل في الظاهرة الدورية التي نشهدها بين فترة وأخرى فكيف تجتمع الأسباب والمعطيات لهبوب العواصف؟

ما يحمل على الاعتقاد بأن الظاهرة أشبه بزوبعة أو نوبة تصيب الناس هو أن الكتاب اللاحق للمؤلف نفسه -سواء صدر بعد عمله الذي اشتهر- وكذلك أعماله السابقة لا تنال من القراء إلا نسبة ضئيلة من الاهتمام تكاد لا تذكر

قدمت تفسيرات واجتهادات عدة فيما أرى أن دار النشر المصدرة للكتاب واتساع مساحة توزيعها ليسا سببا، وأن الجهة الرسمية أو غير الرسمية التي تدعم الكتاب وتروج له ليست سببا أيضا، وكذلك ليس سببا قيام عدد من النقاد والإعلاميين بتسليط الأضواء على الكتاب.

بل ولعلي أذهب أبعد من ذلك -وما قد يرى غريبا عجيبا- فأقول إن نص الكتاب نفسه -مثير الضجة- وموضوعه ومضمونه وأسلوبه وسويته الفنية.. إلخ ليست سببا جوهريا أيضا يقف خلف الضجة الكبرى التي تحدث.

أرى ذلك لأن أسبابا مماثلة للسابقة توفرت لكتب عديدة ولمؤلفين عديدين غير أنها لم تنتج النتيجة ذاتها، وأرى ذلك لأن أعمال مؤلفين أعظم موهبة لم تثر ضجة مماثلة.

وأرى ذلك أيضا لأنه حين تلحق بأحد أعمال كاتب ضجة كبيرة -لم تحدث لأعمال سابقة له أو لاحقة- فإنه غالبا ما يبدي استغرابه، معبرا صراحة أو مواربة عن حيرته فنراه يرجع السبب إلى فضل من الله أو إلى حظ كان لكتابه هذا دون غيره!

ولو جرب بعد مرور العواصف مختلفة الشدة والمدة، وبعد هدوء الناس -ولا أقول القراء لأن الكثير من الهائجين لم يعتادوا القراءة في حياتهم- وبرائهم مما سرى بينهم.

لو جرب وضع الكتاب على مائدة النقد والتحليل والدراسة كنص أدبي خارج أي سمعة له أو ضجة حوله لرأينا -على الأغلب إن لم يكن بالقطع- نتائج أخرى وأحكامَ قيمةٍ مختلفة لا تسلب النص ما له، ولكنها لا تسبغ عليه ما ليس فيه.

إذن لم تهب تلك العواصف جراء أعمال بعينها ويغشى غبارها العيون بما فيها أبصار نقاد كبار؟ ولم تترجم إلى معظم لغات العالم؟ ما قرأت جوابا شافيا، ولا بإمكاني أن أجيب سوى بظن يخمن أن نوبات دورية من الهياج الجماعي الذي ينتقل بالعدوى هي في التكوين من الحياة الثقافية لا العربية فحسب بل وغير العربية التي يهوج أفرادها وتنشغل مؤسساتها ويتفرغ مترجموها حتى ليخال المرء أن القيامة على وشك أن تقوم.

ــــــــــــــــــ
*كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة