علي البتيري

حينما نرصد تطور القصيدة العربية بين الشكل والمضمون لا ندعو بأي شكل من الأشكال إلى التعلق الرومانسي بالتراث الشعري، وفي المقابل لسنا مع الدعوة إلى التمرد على التراث، تلك الدعوة التي يتحمس ويروج لها أولئك المغالون في الحداثة، شعراء كانوا أم نقاداً.

من هنا نجد من الضرورة بمكان أن نتعامل مع تراثنا الشعري المضيء تعاملاً واقعياً وموضوعياً، وبروح انتقائية تمكننا من الاستنارة به، ومن وضع اليد على كنوزه الثمينة، بعيداً عن التغني الرومانسي بها، بطريقة توقيفية ساكنة لا تمكننا من التجديد أو الإضافة تمشيا مع روح العصر وطبيعته المختلفة. إذ لا بد من توظيف الكنوز التراثية توظيفا ديناميكيا فاعلاً ومتفاعلاً مع تحديات الحاضر الراهن، مستشرفاً لمعالم المستقبل، وهنا منبع الدافع إلى التجديد وتجلياته المبررة.

في الواقع، ظلَّ شكل القصيدة العربية على مرّ العصور الأدبية يتحكم في مضمونها، إذ ظلَّ تجدد الشكل الفني واللعب به في مضمار التغيير هو هاجس الشعراء المولدين والمحدثين، إذ ساد الظن بأن الشكل التقليدي للقصيدة العربية القديمة هو العائق أمام تجديد المضمون الشعري وتعميقه، وتوسيع دائرة الرؤية فيه.

لقد ظهرت بوادر تجديد الشكل مع حركة الشعراء المولدين في العصر العباسي من أمثال أبي تمام وأبي نواس وأبي العتاهية وبشار بن برد، إلا أن أبا تمام اختلف عن غيره بأنه احتفى بالمضمون الشعري أكثر، ووجد في ذلك طريقة لإخراجه من قوالبه الشكلية الجامدة، والمحكومة باللغة المعيارية الصارمة، فجدد في لغته وتعمق في معانيه.

في النصف الثاني من القرن الماضي، أو قبل ذلك بقليل من السنوات، عادت قضية الشكل في الشعر العربي تؤرق الشاعر الطامح إلى التجديد، خاصةً وهو يرى أن القصيدة العربية بصرفها ونحوها وقوافيها لا تفي بغرض التحديث أو تتسع له، ولم تعد في نظره حركة الإحياء الشعري التي أسس لها محمود سامي البارودي وأثراها من بعده كل من الرصافي والزهاوي وشوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وغيرهم... لم تعد كافية في منظور الحداثة، إذ أصبح لا بد من فك القيود الشكلية إلى حد ما، لتخرج القصيدة العربية بثوب جديد يليق بلغة وأسلوب الحداثة الشعرية المنشودة، بدلاً من أن يظل الشاعر المعاصر محكوماً بإطار القصيدة التقليدية التي تقيد حركته في غمرة المعاناة واشتعال التجربة بقواعدها اللغوية والوزنية الزاخرة بلافتات نحوية وشواخص بلاغية أو عروضية.

لقد رأى رواد الحداثة الشعرية غير ذلك في دعوتهم الصريحة والجريئة إلى التحديث، حيث وقفوا دون تهيب من الماضي على شرفات القرن العشرين، فجعلوا من أنفسهم دعاة للخروج على الشكل الكلاسيكي التقليدي للقصيدة العمودية، وتنصلوا من الالتزام بوحدة البيت ورتابة القافية، ومن النظام العروضي الصارم الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي.

بعض المحدثين المغالين في قضية التجديد اغتنموا الفرصة الزمنية المواتية، فدعوا إلى انقلاب حداثوي على القديم يتيح لهم التمرد على التراث الشعري، ولم يكتفوا بإدارة الظهر للتراث المكتنز، وإنما ارتضوا الارتماء في أحضان الحداثة الشعرية الغربية بكل ما فيها

وبهذا ابتدعوا شكلاً جديداً للقصيدة العربية، فتولد على أيديهم الشعر الحديث الذي سُمّي الشعر الحر، وكتبوا قصيدة التفعيلة، معلنين تسخير اللغة لشعور الشاعر وخياله وانفعاله بقضايا عصره وأحداثه الجسام، فظهر ذلك جلياً في أشعار بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري وصلاح عبد الصبور ونزار قباني إلى حد ما.

إلا أن بعض المحدثين المغالين في قضية التجديد اغتنموا الفرصة الزمنية المواتية، فدعوا إلى انقلاب حداثوي على القديم يتيح لهم التمرد على التراث الشعري، ولم يكتفوا بإدارة الظهر للتراث المكتنز، وإنما ارتضوا الارتماء في أحضان الحداثة الشعرية الغربية بكل ما فيها من صرعات التجديد وأشكال الخروج؛ فكتبوا لنا الشعر المرسل الذي يخلو من أي وزن أو قافية، أي هذا اللون الجديد من الكتابة الشعرية الذي أصبح يعرف بالشعر المنثور أو قصيدة النثر.

ولكنَّ رواد الحداثة الشعرية المنطلقين من هموم أمتهم وجراحها، ومن آلامها وآمالها، حين رفعوا لواء التحديث لم يتخلوا عن التراث الشعري لأسلافهم، ولم يديروا ظهورهم له كما فعل البعض من أصحاب المواقف المريبة وأصحاب النوايا غير الحسنة، وإنما وضعوه في موضع الاعتزاز، ليتقدموا به نحو عصرهم مجددين ومحدثين، فجاءت قصائدهم على حداثتها ضاربة الجذور في أعماق التراث القومي، حيث عرفوا على صعيد التجديد كيف يستثمرونه، فعمدوا إلى تطوير أدواتهم وأساليبهم في طريقة التعامل معه، فاستظلوا به وهم يحدثون شكل القصيدة، لتكون قصيدة التفعيلة المتحررة من قوالب الأوزان ورتابة القافية.

ومع هذا فإن الشعراء والنقاد المغالين في تحديثهم عدّوا التمرد على شكل القصيدة شغلهم الشاغل، دون اعتبارهم الغاية المضمونية التي قامت من أجلها حركة الشعر الحديث.

ومن هنا راحوا يبالغون في استحداث الأشكال الشعرية على الطريقة الأوروبية، فمن قصيدة على شكل شجرة إلى قصيدة على شكل نافورة أو على شكل دائرة أو مثلث أو مستطيل، هذا بالإضافة إلى غرقهم الطوعي في سيريالية حدت بهم إلى لغة الإبهام والطلمسة والتهويم الذي لا طائل تحته، فجاءت قصائدهم في معظمها هجينة المبنى والمعنى، مفتقرة إلى شفافية الرمز والإيحاء، قاصرة عن تمثلها قضايا العصر وإشكالاته وإرهاصاته؛ كأنها بقيت خارج المد الإنساني الحضاري وحركته المتسارعة.

أما الذين فهموا الدافع الفني لضرورة التحديث وأسسوا له، وتبنوا انطلاقته الحداثوية لم يروا في تحديث الشكل سوى وسيلة لتعميق المضمون وتفعيل محتواه، بحيث لا يتناقض أو يتعاكس مع المضمون القومي والإنساني للقصيدة العربية.

لقد اتخذ هؤلاء المحدثون الحقيقيون والأصلاء من حرية الشكل ساحة رحبة للإبداع، فنجحوا أيما نجاح في تجديد الشكل والمضمون معاً، ويكفي لنستدل على ما نذهب إليه من رأي أن نقرأ أشعار كل من السياب والفيتوري ونزار قباني، إلى أن نصل إلى أشعار أمل دنقل ومحمود درويش وسميح القاسم وممدوح عدوان وغيرهم ممن يعدون على الأصابع.

المصدر : الجزيرة