كمال الرياحي-تونس


صدرت عن دار الساقي رواية "خريف البراءة" لعباس بيضون، ليشكل الكاتب اللبناني من خلالها- وعبر أغلب أعماله الروائية- استثناء جديدا في مجموع الشعراء الذين خاضوا تجربة الكتابة السردية ونجحوا فيها.

فقليل هم الشعراء الذين تخلصوا من ذلك الاحتياطي من الشعرية وهم يتدبرون أمر السرد فداوروه بهويته وبلغته البراغماتية أو تمكنوا من أن يخلقوا من الخطاب الشعري الاستعاري لغة سردية  مخصوصة.

فعل ذلك السوري الكردي سليم بركات، الذي اجترح خطابا مخصوصا ميزه عن بقية الشعراء وعن الروائيين، خطاب استعاري تحول إلى هوية للخطاب السردي عنده، بيننما سقط الكثير منهم في ترحيل خطابهم الشعري إلى الرواية، فأخفقوا كل الإخفاق.

تنهض هذه الرواية على الجريمة كمشكل رئيسي من مشكلاتها السردية، فالحكاية التي يرويها الشاب "غسان" ما هي إلا حكاية أمه التي خنقها والده وهرب إلى سوريا (درعا) ليلتحق بجماعة مسلحة هناك، ويبقى الطفل اليتيم يعيش تراجيديا الفقد، حاملا وزر جريمة والد وتهمة أم متهمة سرا بالخطيئة.

رواية "خريف البراءة" لعباس بيضون تذكرنا برواية "خرفان المولى" للجزائري ياسمينة خضرا (محمد مولسهول) التي تتحدث هي الأخرى عن قرية "الغشيمات" التي كانت هادئة قبل أن يعود إليها الإرهابي ليحول حياة أهلها إلى جحيم

رواية الراهن
يتعرض غسان لشتى أنواع التمييز والتهميش والقمع من المجتمع، حتى يعود والده الجاني مسعود بعد ١٨ سنة مجرما أكثر من العادة، ويريد أن يصفي حسابه مع الجميع؛ فيفتح بوابات الرعب على البلدة بتصفية معارضيه، مما يضطر ابنه إلى التفكير في تصفيته بعد أن وصل بطش والده وجرائمه إلى رقبة صديقه، وقد بدأ مسيرته الدموية بخنق أمه.

إن هذا البرنامج السردي الذي تضعه الرواية يذكرنا بعودة الإرهابيين والقتلة إلى قراهم التي تركوها، كأن رواية بيضون تقول باستحالة ترويض الوحش بعد أن ذاق طعم الدم، فللجريمة لذتها وهي أيضا قد تغدو شكلا من أشكال الإدمان.

تذكرنا رواية "خريف البراءة" لعباس بيضون برواية "خرفان المولى" للجزائري ياسمينة خضرا (محمد مولسهول)، التي تتحدث هي الأخرى عن قرية "الغشيمات" التي كانت هادئة قبل أن يعود إليها الإرهابي ليحول حياة أهلها إلى جحيم.

وهذه الرواية لبيضون تنهض واحدة من أهم الروايات التي تسائل الراهن العربي اليوم في ظل هذه التقلبات الجيوسياسية، ولا تعلو نبرة خطابها خارج الخطاب الأدبي، فلا تنظّر ولا تعظ، هي فقط تسرد حكاية من حكايات اليومي الفظيع.

تقارب" خريق البراءة" نشأة فئة من الإرهابيين الذين يتورطون في مستقبل دموي نتيجة مناخ اجتماعي ولدوا ونشؤوا فيه، أهّلهم لذلك ضعف الدولة والقانون في الفضاءات الشعبية الصغرى.

كان مسعود من البداية عنيفا يمارس سلطته الجسدية على بقية من بالبلدة دون رادع، ويفتك بالنساء في بيوتهن، ولا أحد يردعه، حتى وصل إلى لحظة اللارجعة عندما تحول العنف إلى جريمة، فظهر القانون ليهرب خارج منطقته ويواصل جرائمه.

 الرواية بأسئلتها الفلسفية والاجتماعية تفضح العديد من العاهات التي تعاني منها المجتمعات العربية غير المؤهلة لاحتضان الضعفاء، بل تدفعهم إلى الانحراف وتغيير هوياتهم من كائنات مسالمة صالحة إلى كائنات دموية

ابن الجريمة
إن البطل الرئيسي في هذه الرواية هو هذا الابن غسان الذي يمكن اختزاله في "ابن الجريمة" الذي تكتب الرواية تراجيديا هذا الكائن المسلوب والمنبوذ، والذي نبذ نفسه بدوره شيئا فشيئا ليتعامل مع نفسه كخطيئة في الوجود.

فهو كما وصفته سارة ابنة الخال:" لن يؤمن له أحد لأنه ابن قاتل، لن تحبه امرأة لأنه ابن قاتل، لن يتحمل فقط جريمة أبيه، وإنما أيضا سمعة أمه التي تلطخت بدمها. هو أيضا لن يثق بأحد، ولن يحب ولن يكره، فليس من حقه أن يدين ولا أن يؤيد، إنهما حقا بشر عاديين، أما هو فليس له أي حق، وإذا تكلم مثل الآخرين فسيبدو مغتصب حقوق وسيبدو حتى في هذا ابن قتلة".

وهذه الصورة التي رسمها المجتمع لغسان، والتي اعتنقها غسان ذاته، لم تفلح سارة في تخليصه منها، كدلالة على سطوة مجتمع احترف منطق الإدانة، خاصة إدانة الضعيف؛ فالقوي لا يدع فرصة لأحد لكي يدينه، فقط هو ينشر الرعب مثلما كان يفعل والد غسان حتى أن المجتمع المتمثل في أهل البلدة كان يختلق له الأعذار عندما يمارس عنفه والاعتداء على الآخرين.

وجد والد غسان ليمارس العنف والقسوة، لذلك أدينت زوجته الضحية عندما خنقها وهرب، ولا أحد أدانه، بل توجهت الشكوك نحوها مباشرة واتهمت بالخيانة، مع أن الزوج القاتل اختفى ولم يقل شيئا، هكذا المجتمع الشرقي يدين الضعيف البريء ويبرئ المخطئ القوي.

ولعل الرواية بأسئلتها الفلسفية والاجتماعية تفضح العديد من العاهات التي تعاني منها المجتمعات العربية غير المؤهلة لاحتضان الضعفاء، بل تدفعهم إلى الانحراف وتغيير هوياتهم من كائنات مسالمة صالحة إلى كائنات دموية، ومن كائنات ألسنة وكلام إلى كائنات سكاكين ودماء، كما حصل لغسان الطفل المسالم البريء، لتدفع البراءة نحو خريفها.

المصدر : الجزيرة