أمير تاج السر*

منذ فترة قريبة، أُعلن حصول الكاتب المصري القدير إبراهيم عبد المجيد على جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب هذا العام، واحتفينا معه بهذا الإنجاز العظيم، خاصة أن الجائزة جيدة في قيمتها المادية، إلى حد ما، وتحمل اسم علم كبير من أعلام العرب.

الحقيقة أنه حتى عهد قريب، ربما عشر سنوات أو أقل، كانت الكتابة الإبداعية في الوطن العربي ضربا من ضروب إضاعة العمر في محاولة الابتكار واكتساب بعض الجماهيرية، ومن ذلك أن يُعتمد أحدهم كاتبا لزاوية أسبوعية في جريدة لا تُدرّ إلا القليل، أو كاتب مقال شبه دوري في مجلة أكبر لا يجني كثيرا أيضا.

وبالنسبة للكتابة في مصر خاصة، كانت أحلام تحول العمل الأدبي إلى سيناريو لفيلم أو دراما تلفزيونية تداعب مخيلة الكتاب، فيكدون ويكدحون ويحاولون، ودائما كان حصاد الإحباط أكثر بكثير من حصاد الرضا.

تذكرت بداياتي حين كانت كتابة زاوية في صحيفة عربية إحدى أمنياتي الكبرى، وحاولت بالفعل أن أحصل على تلك الزاوية لأكتب أفكاري أولا، ولأحصل على عائد حتى لو كان بسيطا كي أشعر بأن الكتابة مهنة أيضا، ولم يحدث ذلك إلا بعد سنوات، وبعد أن انشغلت لدرجة أن أصبحت الكتابة الصحفية عبئا صعبا في ممارسته.

انتشار الجوائز
إذن، ظهر تقليد الجوائز الإبداعية في العالم العربي فجأة بجائزة وجائزتين، وامتد ليصبح عشرات الجوائز، بعضها يطرح مبالغ جيدة لمن يفوز بها، ويسهم -بلا شك- في دفع القصة الفائزة أو القصيدة الفائزة بعيدا في التلقي والتوزيع، وحصاد عائدات أكثر، وبعضها مجرد شهادات تقدير، أو ربما مبالغ بسيطة لا تتعدى ثمن نسخ عدة من الكتاب، ولكنها أيضا تعدّ جائزة ما دامت تكونت لها مسابقة ولجان تحكيم، واحتفال سلمت فيه الجائزة، وربما بقليل من المتابعة يمكن لمثل هذه الجوائز البسيطة أن تدفع النصوص الفائزة إلى الأمام أكثر.

إذا تأملنا القيمة المادية للجوائز، فإننا نجدها محدودة جدا، ولا تكفي ليحصل عليها كل من كد وتعب وسهر وأنجز، وحتى لو حصل أحدهم عليها بالفعل، فإنها تمنحه قليلا من الترف المؤقت فقط

وعلى شاكلة هذه الجوائز، تمتلئ شبكة الإنترنت بالكثير، وأقرأ دائما عن رواية حصلت على جائزة نظريا، ولا أجد ملمحا للجائزة في أرض الواقع.

وإذا تأملنا القيمة المادية للجوائز، وأعني تلك التي يتقاتل المبدعون من أجل الوصول إلى إحداها، فإننا نجدها محدودة جدا، ولا تكفي ليحصل عليها كل من كد وتعب وسهر وأنجز، وحتى لو حصل أحدهم عليها بالفعل، فيجدها غالبا لا تفي بنقل الحياة كلها من حال لحال أخرى، وإنما تمنح قليلا من الترف المؤقت ما يلبث أن يتلاشى، خاصة في هذا الزمان الذي تضاعفت فيه صعوبات الحياة بشكل مؤسف وأصبح كل شيء صعب المنال.

هناك جوائز ذات صوت عال، وأظن جائزة البوكر، التي أعدّ قيمتها المادية ليست عالية جدا، ولكن صوتها جيد في دفع الأعمال الفائزة إلى أبعد مستوى بزيادة عدد القراء عربيا، وإيجاد جسور تعبر بها النصوص إلى لغات أخرى، وأظن هذا أفضل كثيرا مما لو كانت القيمة أكبر وكان الصوت منخفضا لا يُسمع إلا في مكان منح الجائزة.

القيمة المادية
كما أن جائزة "كتارا" الجديدة جيدة، ولها صوت مميز أيضا، وتأتي أهميتها من أنها تحمل زغاريد البهجة لعشرة مبدعين سنويا، وبقيمة مادية معقولة، ومن مكان الحصول عليها، تنطلق النصوص الفائزة بعيدا لتترجم تلقائيا وبلا سعي من الكاتب أو جهات أخرى مهتمة بالترجمة، إلى خمس لغات دفعة واحدة.

القيمة المادية للجائزة مهمة، وما دامت الكتابة عموما مجالا كبيرا للتوتر والحزن وتضييع الحياة في متعة مستفزة بلا عائد، فلنوسع قليلا قيمة الجوائز، ولنجعلها كثيرة وسخية، وتمنح للذين يشهد إبداعهم على تفوقهم

هذه الجائزة التي أثق في قوتها وملحقاتها من ورش كتابية ومحاضرات، ربما كانت الآن أنسب الجوائز، حيث توجد فيها مادة تسند المبدع وصيت يسند العمل الإبداعي.

جائزة الشيخ زايد لها قيمة مالية عالية بلا شك، ويحق لمن فاز بها أن ينتعش ويتأمل بعين الخيال تغيرا كبيرا قد يحدث في حياته، فالذي يتمنى أن يسافر سيسافر، والذي يريد بيتا صغيرا سيحصل عليه، والذي يود الإقلاع عن الكتابة ذات العائد البسيط سيقلع بالتأكيد، ولن يهم إن أحدث الكتاب أصداء بعيدة أم لم يتحرك شبرا.

وتأتي جائزة العويس كجائزة ممتازة تمنح لمجمل الأعمال كما تقول لوائحها، ويقتسمها غالبا مبدعان كل عام، ويحصل كل واحد منهما على مبلغ جيد لن يغير الحياة كلية بالطبع، ولكنه قد يرتقي بها قليلا.

وتحدثت عن هذه الجائزة بالتحديد من قبل، وذكرت التعقيد في التقديم لها، فما دامت تُمنح لمجمل الأعمال، فلماذا يعبئ المبدعون أعمالهم في طرود كبيرة، ويرسلونها سنويا؟

أنا أرى أن تجتمع لجانها وتستعرض أسماء من يمكن أن يستحقها من المبدعين المثابرين، وتمنح لأحدهم بلا مشقة، أو يتم منحها بالتزكية سنويا لمبدع ما ذي حصاد إبداعي كبير واسم موقر في الساحة الإبداعية.

إذن، القيمة المادية للجائزة مهمة، وما دامت الكتابة عموما مجالا كبيرا للتوتر والحزن وتضييع الحياة في متعة مستفزة بلا عائد، فلنوسع قليلا قيمة الجوائز، ولنجعلها كثيرة وسخية، وتمنح للذين يشهد إبداعهم على تفوقهم، وليس داخل مسابقات تخضع فيها النصوص لأذواق متباينة، وربما لمحكمين بأمزجة لا تسمح بالقراءة المتأنية أو العادلة.

جوائز أخرى كثيرة، ذات قيمة مادية سخية -كما ذكرت- اهتمت بالأعمال الإبداعية، وفيها جوائز للشعر والقصة القصيرة، وحتى الخواطر، وكل ذلك إيجابي بلا شك.
____________________ 

 * روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة