مجد يحيى-عمان

آلاف المراكب أبحرت في البحر المتوسط وحملت على متنها مئات آلاف السوريين الفارين من الحرب، حالمين بالوصول إلى أوروبا والبدء بحياة أكثر أمنا واستقرارا، بعضهم وصل وآخرون ابتلعهم البحر، وفي مسرحية "سفينة الحب" حاول المخرج والمؤلف نوار بلبل تلخيص حكايات هؤلاء.

وحضر العرض الذي استمر لأسبوع في العاصمة الأردنية عمان مئات من الأشخاص بينهم أجانب، وشاركت عدة مؤسسات في رعاية ودعم هذا العمل ومنهم المعهد الثقافي الفرنسي.

وتقوم قصة "سفينة الحب" على فرقة مسرحية شتتت الحرب أعضاءها في سوريا، لكنهم قرروا الاجتماع مجددا على متن مركب للوصول إلى أحد شواطئ أوروبا واستئناف أحلامهم بالتمثيل هناك، لكن المهرب الذي قبض الأموال خذلهم ولم يأت فاعتمدوا على أنفسهم في قيادة المركب.

كانت لحظات اللقاء مليئة بالصخب والكلام والموسيقى والغناء، كما تناوبوا على التحدث عن قصصهم وما تعرض له كل منهم، من حصار وقصف وبتر في الأعضاء واعتقال وحتى اغتصاب.

مشهد من مسرحية لموليير تقمصها ركاب السفينة قبل غرقها (الجزيرة)

مرآة للواقع
وتستمر أحداث القصة لتروي مسار الممثلين في البحر والبلاد الأوروبية التي كانوا يأملون الوصول إلى أي واحدة منها مثل اليونان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، معتمدين على الرياح التي تقودهم وخبرتهم المعدومة في الملاحة، وكل منها كانت تثير فيهم الحماس للتمثيل بتقمص أحد المشاهد من المسرحيات الكلاسيكية الشهيرة هناك، والتي تلامس مواضيع لها إسقاطات على ظروفهم بسوريا، سلطة الحاكم ورجل الدين والمجتمع.

إيمان (15 سنة) إحدى الممثلات بالمسرحية وواحدة من ضحايا الحرب في سوريا حيث تعرضت ساقها للبتر، قالت لـ الجزيرة نت أنا "لست ممثلة ولم أكن أمثل في هذا العمل وإنما شاركت فيه لأنه كان مرآة لواقعنا، وكنت أريد أن تصل هذه الرسائل إلى العالم".

محمود صدقة فلسطيني أردني ومنخرط في الأعمال التطوعية لصالح اللاجئين السوريين في الأردن، شارك في المسرحية بدور فلسطيني سوري عاش الحصار والجوع في مخيم اليرموك.

لم يبرع أعضاء الفرقة المسرحية في التمثيل فقط، بل في العزف والغناء أيضاً، فعدنان الرجال موسيقي الذي شارك مع كمانه في المسرحية كممثل عازف، قال "أردنا أن نظهر المعاناة والصعوبات التي يواجهها السوريون، والموت الذي يلاحقهم في بلادهم فيهربون منه إلى موت آخر. الثورة بالنسبة لنا ثقافة وفكر وقلم ومسرح وموسيقى، وهذا ما أردنا إيصاله".

إحدى الممثلات جسدت شخصية فتاة اعتقلها النظام لشهور في سوريا، وتعترف لرفاقها في القارب بتعرضها لـ الاغتصاب في المعتقل، لكنها تستنكر عقاب المجتمع لها بسبب ذلك.

المسرحية ركزت على معاناة المعتقلين (الجزيرة)

صورة نمطية
أما مؤلف ومخرج العمل نوار بلبل فيعتقد أن الجميع يعرفون عن قضية الاغتصاب في المعتقلات السورية، لكن رد فعل المجتمع غير مقبول في أن يعزل شابة مغتصبة دفعت ثمن الثورة، أو في أحسن الأحوال يتم تزويجها من رجل عجوز.

وقال للجزيرة نت إن "شابة من الحضور لم تتمكن من متابعة العمل بعد هذا المشهد وخرجت من القاعة، لتعود بعد قليل" وتخبره بأنها تعرضت للمأساة ذاتها وأنه صرخ بصوتها وألمها.

وشدد المخرج على أن هدفه الأساسي من المسرحية كان التوجه إلى العالم الغربي وكسر الصورة النمطية عن لجوء السوريين وما يحدث في بلدهم، فهم لا يذهبون من أجل المعونات والتحرش وليتحولوا إلى شماعة تعلق عليها كل مشكلة، لافتا إلى قدراتهم الفنية والإبداعية.

وصرح بأنهم مدعوون للمشاركة في عدة مهرجانات ومناسبات ثقافية بأوروبا في الفترة القادمة، لكن العقبة الحالية أمامهم تتمثل بالحصول على تصريح يسمح للفرقة بمغادرة الأردن والعودة إليه.

بدورها، وصفت إيناس يوسف إحدى مشاهدات العرض بالمؤثر والملامس للواقع، وقالت إنها لم تتمالك دموعها في بعض المشاهد وخاصة في الختام، حين هبت رياح قوية وأغرقت المركب بمن فيه، لتطفو قطع من أغراضهم وملابسهم على السطح، بينما غيب البحر كل أعضاء الفرقة المسرحية.

المصدر : الجزيرة