ناصر يحيى

يظل سقف الحرية المتاحة في مجال الإبداع الأدبي والفني، والخطوط الحمراء التي تحكم علاقة المبدع بالتابوهات المقدسة أو المجتمعية الثلاثة: الدين والجنس والسياسة، إحدى الإشكاليات العويصة في مجتمعاتنا العربية بين دعاة تنزيه المقدسات عن الإساءات ودعاة تحطيم التابوهات بلا تحفظ.

وتتفاوت جراءة المتجاوزين تجاه هذه التابوهات، ففيما يختص بالساسة الحكام يظل مس حرمتهم أقل إغراء وأكثر تكلفة من مس المحظورات الدينية والأخلاقية.

ففي الحالة الأولى يظل سيف المعز وذهبه مسلطا على المبدعين، ولا تتسامح السلطة أبدا فيما يمسها ورموزها وركائزها السياسية، وقد عرف المبدعون ذلك فتجنبوا الشر ابتداء، إلا إن كانوا يعيشون في المنافي بعيدين عن يد الانتقام، أو انشغلوا بنقدهم بمن مات ولم يعد لديه سلطة.

أما في الحالتين الدينية والأخلاقية فيبدو المجال مغريا للخوض فيه بمأمن من غضب السلطان، فالدين والأخلاق ليست في معظم الحالات من المحظورات التي تشفق السلطات على حرماتها.

لم يعرف كثيرون ما عاناه نجيب محفوظ من مشاكل بسبب كسره بعض المحظورات السياسية الهامشية، مما يؤكد صحة ملاحظة أن كسر التابوهات مرحب به فيما يخص الدين والأخلاق ومغضوب عليه كلما مس الذوات السياسية

ولا تعدم هذه الظاهرة من تفسير يرى أن السلطات تتغاضى عن ذلك لإلهاء الطوائف والجماعات بصراعات جانبية حول المقدسات الدينية بعيدا عن حرماتها، كما هو الحال تماما في التغاضي عن كسر المحظور الأخلاقي لإغراق المجتمع في دوامة الجنس والأدب الهابط.

وعلى سبيل المثال، لا يذكر الناس عن الأديب المصري نجيب محفوظ إلا الضجة التي أثارتها روايته "أولاد حارتنا" التي جسد فيها قصة الخلق بكل تفاصيلها وشخوصها كما وردت في النصوص الدينية، وهي الرواية التي أغضبت المتدينين لما وجدوا فيها من تجسيد غير لائق للذات الإلهية والأنبياء.

لكن في المقابل، لم يعرف كثيرون ما عاناه الرجل من مشاكل بسبب كسره بعض المحظورات السياسية الهامشية -والهامشية فقط!- مما يؤكد صحة ملاحظة أن كسر التابوهات مرحب به فيما يخص الدين والأخلاق ومغضوب عليه كلما مس الذوات السياسية.

وفي ذكرياته التي سجلها رجاء النقاش، يروي محفوظ كيف رفض محمد حسنين هيكل نشر روايته "المرايا" في الأهرام، مع أن هيكل هو نفسه الذي نشر "أولاد حارتنا" ودافع عن قراره بحجة حرية الإبداع، ومثله فعل أحمد بهاء الدين عندما رفض نشر رواية "الحب تحت المطر".

وأما رواية "الكرنك" التي دانت ممارسات المخابرات المصرية في ستينيات القرن الماضي، فقد تولى اليسار المصري حملة الهجوم عليها، وبلغ من شدة الهجوم على محفوظ أن أصيب بمتاعب صحية في القلب فترة طويلة.

والظريف أن محفوظ نفسه -عندما كان مديرا للرقابة على المصنفات السينمائية- منع مشاهد خلاعة في فيلم للمطربة "صباح" بحجة أنها مثيرة للغرائز، وهو الذي تمتلئ رواياته بما لا يحصر من مشاهد الجنس الساخن.

الآيات.. والوليمة!
كان المسلمون نهاية الثمانينيات على موعد مع رواية "آيات شيطانية"، وبغض النظر عن المضمون فإن المثير للاهتمام أن الرواية سبق أن نشرت لها طبعتان في سوريا (!!)، لكنها لم تلفت الأنظار -وفق ملاحظة لرجاء النقاش- إلا بعد فتوى الخميني الشهيرة ضد سلمان رشدي.

وكالعادة تمترس المدافعون عنها وراء مقولة "حرية الإبداع"، وسوريا كما هو معروف هي البلد الحائز على مرتبة متقدمة في سجل الاستبداد السياسي وكبت الحريات وتقديس الحكام إلى درجة غير معقولة.

عام 2000 كان مليئا بالمشاكل على خلفية نشر ما يمس المقدسات الدينية والأخلاقية، وفي كل الحالات تقريبا كانت السلطات تنحاز إلى دعاوى حرية الإبداع، في الوقت نفسه الذي تكون فيه حامية للمقدسات السياسية إلى درجة مضحكة

عام 2000 كان مليئا بالمشاكل على خلفية نشر ما يمس المقدسات الدينية والأخلاقية من المغرب إلى مصر فاليمن.. وفي كل الحالات تقريبا كانت السلطات (المستبدة!) تنحاز بشكل أو بآخر إلى دعاوى حرية الإبداع، في الوقت نفسه الذي تكون فيه حامية للمقدسات السياسية إلى درجة مضحكة.

ففي مصر التي ثارت فيها النخبة الليبرالية دفاعا عن نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر"، اضطر منتج فيلم "ولا في النية أبقى فلبينية" أن يخضع لاعتراض السفير الفلبيني في القاهرة ويحذف كلمة "فلبينية" من اسم الفيلم الذي يتنكر فيه بطله في زي خادمة فلبينية، مما عده الفلبينون مساسا بكرامتهم الوطنية.

وفي الفترة نفسها، احتج السفير الأميركي على اسم مسرحية مصرية استخدمت اسم "مونيكا" بطلة فضيحة كلينتون الشهيرة.

وفي اليمن أيضا، ثارت مشكلة مجتمعية حول عدة أعمال أدبية تعرضت بما لا يليق للذات الإلهية، ويومها وقفت السلطة مؤيدة لحرية الإبداع نكاية في الإسلاميين المحتجين!

وكانت المفارقة أنها هي نفسها ثارت بعد زمن قصير ضد رواية هامشية "قوارب جبلية" لأنها فقط وصفت العسكر وصفا قبيحا، وكانت المفاجأة الأكبر أن التيار الشيعي -الذي لم يغضب في المرة السابقة للإساءة للذات الإلهية- احتج هو الآخر على الرواية لأن فيها مسا برمزيات طائفية خاصة به!

سقوف حرية
الغرب نفسه على ارتفاع سقف حرية الإبداع عنده، لا يخلو أيضا من تابوهات خاصة به، فهذا الغرب الذي لا يجد سوءا في رسم صور ساخرة لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، هو نفسه الذي تصدر في بعض بلدانه -مثل فرنسا- قوانين تمنع حرية البحث العلمي في مسألة المحرقة اليهودية (الهولوكوست) ولو كان مقتصرا على التشكيك في أعداد الضحايا، وهو الأمر الذي قاد رجاء غارودي إلى محاكمة شاقة.

التحجج بحرية الإبداع الأدبي والفني يشبه حكاية ضرورة احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن كانت في مصلحة الدول الكبرى فبها ونعمت، وإلا فإن لكلٍّ تابوهاته ومحظوراته الواجب احترامها

وفي فبراير/شباط 2006، قضت محكمة نمساوية بسجن المؤرخ البريطاني ديفد إيرفنغ بتهمة محاولة إنكار وجود غرف حرق اليهود، وفي الشهر نفسه برر مشرف الصفحة الثقافية في صحيفة "يلاندز يوست" الدانماركية فليمينغ روز نشر الرسوم المسيئة عن نبي الإسلام، بأنها مقصودة لكسر حالة الرقابة الذاتية المسيطرة على أوروبا.

والمفارقة أن ذي غارديان البريطانية كشفت في الفترة نفسها أن الصحيفة الدانماركية رفضت نشر رسوم تتناول شخص المسيح بحجة "لا نعتقد أن قراءنا سيستسيغون هذه الرسومات"!

ومن باب "الجزاء من جنس العمل"، ثارت ثائرة الألمان الرسميين -بعد مشكلة رسوم الصحيفة الدانماركية- ضد صحيفة "فروست" البولندية لنشرها رسما كاريكاتيريا يجسد المستشارة أنجيلا ميركل تُرضع -وهي عارية الصدر- رئيسي الدولة والحكومة البولنديين على خلفية توتر سياسي بين البلدين، ووصفت الصورة من الثائرين بأنها تخلو من الذوق، وتهدد العلاقات بين البلدين.

الخلاصة في كل ما سبق، أن التحجج بحرية الإبداع الأدبي والفني يشبه حكاية ضرورة احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن كانت في مصلحة الدول الكبرى فبها ونعمت، وإلا فإن لكلٍّ تابوهاته ومحظوراته الواجب احترامها!

المصدر : الجزيرة