ميرفت صادق-رام الله


بينما رسم الفنان الفلسطيني فؤاد اغبارية الصبار في لوحته "ترياق" كأبرز رموز التمسك بالأرض زاهيا بأكوازه الملونة في تربته، واجهها بلوحة "بقايا إنسان" عن صبار مزروع في أصيص بعد اقتلاعه من أرضه.

هكذا تأرجحت نظرة مجموعة فنانين فلسطينيين شاركوا في معرض لإحياء يوم الأرض (30 مارس/آذار) نظمه "بيت مريم" في مدينة رام الله بالضفة الغربية، بين الحنين إلى الأرض بلا محتل وبين واقعها المسلوب، ومصيرها المأمول والمجهول.

وافتتح المعرض يوم الأربعاء الذي وافق إحياء الفلسطينيين الذكرى الأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، ويستمر حتى الـ16 من أبريل/نيسان بمشاركة فنانين بارزين من الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948.

في وسط المعرض، يتجسد حلم استعادة الأرض في سلسلة لوحات "عودة السنونو" لرانية عقل، ولكن بمواجهة لوحة "خفافيش على لوزتنا" لأسامة سعيد، وتحكي واقع الأرض المسلوبة بظل ثقيل من "الزفت والجِفت".

ورسمت عقل طائر السنونو الذي يعلّم صغيره العودة إلى عشه الأول في رمزية لحق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم التي هي بيتهم الأول، مستخدمة خليطا من أقمشة وحناء وقهوة ومواد مختلفة.

الفنان أسامة سعيد استخدم مواد داكنة في رسم "خفافيش على لوزتنا" ليعكس ما تعانيه الأرض من سلب ونهب بالاستيطان (الجزيرة)

واختار سعيد في لوحته "خفافيش على لوزتنا" رسم شجرة فوقها خفافيش سوداء اللون. وقال إنه ينشغل كل ربيع برسم أشجار اللوز بألوانها الزاهية، لكن هذه المرة استخدم مواد داكنة في رسم شجرته بسبب ما تعانيه الأرض من سلب ونهب بـ الاستيطان.

وفي هذا العمل، يجمع سعيد، كما يقول، نقيضين: الجفت (بقايا الزيتون بعد عصره واستخراج الزيت منه) ورمز الزيتون إلى السلام جنبا إلى جنب مع الزفت كبقايا النفط الذي أصبح رمزا للحروب.
وقدم سعيد للمعرض ثلاث لوحات أخرى بظلال داكنة أيضا هي "جندي" و"قوى عظمى" و"جندي كبير وطفلة" للتعبير عن صراع الإنسان الثقيل على الأرض.

وجاء سعيد من بلدة نحف في الجليل، وهي المنطقة التي شهدت انطلاقة يوم الأرض عام 1976 واستشهد فيها ستة فلسطينيين خلال احتجاجهم على قرارات الاحتلال بمصادرة أرضهم.

وطن وملجأ
في هذه الأثناء، لجأ الفنان أحمد كنعان إلى رسم جدلية الأرض وإنسانها ومصيره، والأرض كوطن وملجأ في آن معا من خلال لوحتين باسم "مقيمون غير شرعيين".

يظهر في اللوحتين عمال متعبون ينامون أو يستريحون في أراضٍ وعرة على فراش بسيط. وهما جزء من مشروع فني يتناول فيه كنعان عبور العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي المحتلة عام 1948 بدون تصاريح.

ويرسم فيه محطات استراحتهم ونومهم في الوعر والمناطق الجبلية لتفادي اعتقالهم من الجنود الإسرائيليين وحرمانهم من العمل. وقد التقط هذه المشاهد من أرضه في منطقة طمرة بالجليل الغربي.

أما الفنان الشاب كريم أبو شقرة من مدينة أم الفحم، فرسم لوحتين بعنوان "مسقط رأسي" وفيها أشجار الصبار أيضا. ولا يرى فرقا بين الصبار ومسقط رأسه أو بيته، كما يقول، حيث يرمز الصبار إلى الهوية الأصلية للأرض كنبات لا يموت.

تقول مليحة مسلماني منظمة معرض "آذار يأتي" إنه يعكس تطور نظرة الفنانين الفلسطينيين إلى الأرض. وترى فيه محاولة لإحياء الجبهة الثقافية بشكل مواز للجبهة السياسية والعمل الوطني العام.

يعكس الفنان المقدسي عاهد ازحيمان فكرة الأرض في لوحتين لأطفال يلهون بطائرة ورقية ويتوقون للحرية (الجزيرة)

رؤى مختلفة
يقدم المعرض 19 لوحة لثماني تجارب بصرية من مدارس فنية مختلفة، ولكنها تجتمع في موضوع واحد هو الأرض برؤى مختلفة.

ويقدم الفنان المقدسي عاهد ازحيمان الأرض في لوحتين لأطفال يلهون بطائرة ورقية ويتوقون للحرية، بينما تظهر ظلال ورقياتهم كطائرات حربية.

وفي لوحتين بدون عنوان، استخدمت بثينة أبو ملحم التراب والتوابل على الجبس والخشب لتعكس تضاريس الأرض بألوانها الأصلية، وربما بحرقة واقعها.

ورأت الفنانة ناتاشا المعاني الأرض في لوحة كبيرة لامرأة سمتها "مريم". وقالت مسلماني إن الفنانين الفلسطينيين استعاروا رمز المرأة دائما ليعبروا عن الأرض والوطن والقرية والحاضنة.

ويرى الفنان التشكيلي الشاب بشار خلف أن أعمال المعرض تحمل تعبيرات الواقع الفلسطيني عن الأرض المسلوبة، وفي نفس الوقت جمالياتها وخاصة في مارس/آذار.

ويشاهد خلف ذكاءً في اختيار مواد غير تقليدية كالزفت والجفت، وهي مواد مأخوذة من الأرض ونباتها أساسا، للتعبير عن هموم هذه الأرض.

المصدر : الجزيرة